وقوله تعالى: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} . قال المفسرون وأهل المعاني: هذا اعتراف (عن) الملائكة بالعجز عن علم ما لم يعلموه فكأنهم قالوا: لا علم لنا إلا ما علمتنا، وليس هذا مما علمتنا في الكلام مختصرًا.
ولو قالوا: (لا علم لنا بهذا) كان جواباً، ولكن لا يكون متضمناً تعظيم الله والاعتراف بأن جميع علمهم من عنده.
وقيل: إنه تلطّف في طلب علم ما لم يعلموه، وتوبة عن قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا} من غير علم لهم بذلك، نبههم الله تعالى بعجزهم عن أسماء الموجودات على أن من جهلها فهو أجهل بأحكام الغائبات، وفي هذا التنبيه إشارة إلى نهيهم عن الحكم لأنفسهم بالطاعة، فإنه لا علم لهم بالعواقب، فإن أمر العواقب مستور، ففيه تنبيه عن خطئهم في الأمرين جميعا.
وقوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ} . أي العالم غير المعلم. (الحكيم) في خلقك الخليقة، ومعنى: (الحكيم) هو المحكم للأشياء صرف من (مُفْعل) إلى (فَعِيل) كالسميع في قوله:
أَمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعي السَّمِيعُ
و (الأليم) بمعنى: المؤلم.
قال ابن المظفر: والحُكم: العِلم، قال الله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12] . أي: العلم، والحكم: القضاء بالعدل أيضا.
قال النابغة:
وَاحْكُمْ كَحُكْمِ فَتَاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ ... إِلَى حَمَامٍ سِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ
فالوصف لله تعالى بأنه (حكيم) يجوز أن يكون بمعنى: محكم كما ذكرنا، ويجوز أن يكون بمعنى: حاكم، كالقدير والقادر، والعليم والعالم، ويكون معناه العالم أو الذي يحكم بالعدل ويقضي به.
قال الأصمعي: أصل الحكومة: رَدُّ الرجل عن الظلم، ومنه سُمِّيت حَكَمَةُ اللجام، لأنها تَرَدُّ الدابة، قال ومنه قول لبيد:
أَحْكَمَ الجِنْثِيَّ مِنْ عَوْرَاتِهَا ... كُلُّ حِرْبَاءٍ إِذَا أُكْرِهَ صَلّ
والجِنْثِيُّ: السيف، أي: رد السيف عن عورات الدرع، وهي: فُرَجها، كل حِرْبَاء: وهو المسمار الذي يُسَمَّر به حلقها. هذه رواية الأصمعي.
قال الأزهري: والعرب تقول: حَكَمْتُ وأَحْكَمْتُ وحَكَّمْتُ بمعنى: رَدَدْتُ ومَنَعْتُ، ومن هذا قيل للحاكم: حاكم، لأنه يمنع الظالم من الظلم.
وقال جرير:
أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ