يقول: امنعوهم من التعرض. وروي عن النخعي أنه قال: حَكِّم اليَتِيم كما تُحَكَم ولدك. قال أبو عبيد: يقول: امنعه من الفساد، قال: وكل من منعته من شيء فقد حَكّمْتَه وأَحْكَمْتَه، وأنشد بيت جرير. والحِكْمَة: هي العلم الذي يمنع [صاحبه] من الجهل، والحاكم الذي يمنع من الجور، وكل عمل مُحَكَم فقد منع من الفساد.
33 -قوله تعالى: {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} . قال المفسرون: لما ظهر عجز الملائكة، قال الله عز وجل: {يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} فسمى كل شيء باسمه، وألحق كل شيء بجنسه {فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} أي: أخبرهم بتسمياتهم قال: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} .
وفي الآية اختصار، معناه: فلما أنبأهم بأسمائهم، تحقق عندهم أن الله يعلم من العواقب ما لا يعلمون، فلما علموا ذلك، قال الله: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} و (لم) حرف نفي وصل بألف الاستفهام، فصار بمعنى الإيجاب والتقرير، كقول جرير:
أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا
وفيه أيضًا معنى التوبيخ لهم على ما سلف من خطاهم.
وقوله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . (الغيب) مصدر مضاف إلى المفعول على الاتساع، وحذف حرف الجر، لأنك تقول: غبت في الأرض، وغبت ببلد كذا، فتعديه بحرف الجر، فحذف الحرف وأضيف المصدر إلى المفعول به في المعنى، نحو: {مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ} [فصلت: 49] و {بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ} [ص: 24] وكقولك: (أعجبني منك دخول الدار) .
وفيه أيضا مضاف مقدر، والمعنى: إني أعلم ذوي غيب السماوات والأرض ما غاب فيها [عنكم، ومثله على هذا التقدير قوله: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي: له ما غاب فيها] ملكاً وخلقاً.
ويجوز أن يكون له علم ما غاب فيها، فيكون المضاف محذوفاً.
وقوله تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} . أي: أعلم سرّكم وعلانيتكم، لا يخفى علي شيء من أموركم.
وقال ابن عباس: ما تبدون من قولكم: (أتجعل فيها من يفسد فيها) ، (وما كنتم تكتمون) من إضمار إبليس الكفر.
وعلى هذا التأويل قال: (تكتمون) بلفظ الجمع، وإن كان المراد به
إبليس، لأن الخطاب للجماعة، وهو من جملتهم.
وقال الحسن وقتادة في قوله: {مَا تُبْدُونَ} كقول ابن عباس، (وما تكتمون) يعني قولهم: لن يخلق خلقاً أفضل ولا أعلم منا.