وما فضل الإنسان على سائر الحيوان إلا لاختصاصه بالمزية النورانية واللطيفة الربانية التي لأجلها صار مستعداً لإدراك حقائق الأشياء والاشتغال بعبادة الله تعالى ، والجاهل كأنه فِي ظلمة شديدة إذا أخرج يده لم يكد يراها ، والعالم كأنه يطير فِي أقطار الملكوت ويسبح فِي بحار المعقولات ، فيطالع الموجودات والمعدوم والواجب والممكن والمحال ، ثم يعرف انقسام الممكن إلى الجوهر والعرض ، والجوهر إلى البسيط والمركب ، ويبالغ فِي تقسيم كل منها إلى أنواعها وأنواع أنواعها وأجزائها وأجزاء أجزائها والجزء الذي به يشارك غيره ، والجزء الذي به يمتاز عن غيره ، ويعرف أثر كل شيء ومؤثره ومعلوله وعلته ولازمه وملزومه وكليته وجزئيته ، فيصير كالنسخة التي أثبت فيها جميع المعلومات بتفاصيلها وأقسامها ، وأنه فِي عالم الأرواح كالشمس فِي عالم الأجسام كاملاً ومكملاً ، واسطة بين الله وعباده ، ولأمر ما لم يجعل الله سبحانه سائر صفات الجلال من القدرة والإرادة والسمع والبصر والوجوب والقدم والاستغناء عن المكان والحيز جواباً للملائكة وموجباً لسكوتهم ، وإنما جعل تعالى صفة العلم جواباً لهم ثم قال {إني أعلم ما لا تعلمون} [البقرة: 30] وهكذا أظهر فضيلة آدم بالعلم بعد افتخارهم بالتسبيح والتقديس . وإن إبراهيم اشتغل فِي أول أمره بطلب العلم متنقلاً بفكره من الكوكب إلى القمر ، ومن القمر إلى الشمس ، إلى أن وصل إلى الدليل الباهر والبرهان الظاهر إلى المقصود وهو الملة الحنيفية . وإن الله تعالى سمى العلم تارة بالحياة {أوَ من كان ميتاً فأحييناه} [الأنعام: 122] وتارة بالروح {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} [الشورى: 52] وتارة بالنور {يهدي الله لنوره من يشاء} [النور: 35] وضرب المثل العلم بالماء {أنزل من السماء ماء} [الرعد: 17] فعلم التوحيد كماء العين لا يجوز تحريكه لئلا يتكدر ، كذلك لا ينبغي طلب كيفية الله كيلا يفضي إلى