من أسباب الميد لو خلت من الجبال يقول: لا يبعد حركة ثقيل عليها كما جرى من مكان إلى آخر فاجتمع حتى صار بحراً عظيماً مع ما ينضم إلى ذلك مما تنقله الأهوية من الرمال الكثيرة والتراب يكون له مقدار يعتقد به بالنسبة إلى الأرض خالية من الجبال فتتحرك بحركته إلى خلاف جهته ، ثم إن الميد لولا الرواسي بنحو المياه والرياح متصور على تقدير كون الأرض كروية كما ذهب إليه الغزالي وكذا ذهب إلى كروية السماء ، وجاء في رواية عن ابن عباس ما يقتضيه وإليه ذهب أكثر الفلاسفة مستدلين عليه بما في التذكرة وشروحها وغير ذلك وهو الذي يشهد له الحس والحدس ، وعلى تقدير كونها غير كروية كما ذهب إليه من ذهب واختلفوا في شكلها عليه وتفصيل ذلك يطلب من محله ، ولا دلالة في الآية على انحصار حكمة إلقاء الرواسي فيها بسلامتها عن الميد فإن لذلك حكماً لا تحصى.
وكذا لا دلالة فيها على عدم حركتها على الاستدارة دائماً كما ذهب إليه أصحاب فيثاغورس ، ووراءه مذاهب أظهر بطلاناً منه.
نعم الأدلة النقلية والعقلية على ذلك كثيرة {وَبَثَّ فِيهَا} أي أوجد وأظهر ، وأصل البث الإثارة والتفريق ومنه {فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً} [القارعة: 6] و {كالفراش المبثوث} [القارعة: 4] وفي تأخيره إشارة إلى توقفه على إزالة الميد {مِن كُلّ دَابَّةٍ} من كل نوع من أنواعها {وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء} هو المطر والمراد بالسماء جهة العلو ، وجوز تفسيرها بالمظلة وكون الإنزال منها بضرب من التأويل ، وترك التأويل لا ينبغي أن يعول عليه إلا إذا وجد من الأدلة ما يضطرنا إليه لأن ذلك خلاف المشاهد {فَأَنبَتْنَا فِيهَا} أي بسبب ذلك الماء {مِن كُلّ زَوْجٍ} أي صنف {كَرِيمٌ} أي شريف كثير المنفعة ، والالتفات إلى ضمير العظمة في الفعلين لإبراز مزيد الاعتناء بهما لتكررهما مع ما فيهما من استقامة حال الحيوان وعمارة الأرض ما لا يخفى.