أم أن هؤلاء الطاعنين علموا في قرارة أنفسهم أنه كتاب عظيم منزل من الله تعالى، وأنه ناسخ للشرائع السابقة؛ فهالهم هذا الأمر وحاولوا تنفير الناس منه بأي طريق، فأخذوا يتكلمون بأي كلام، لا لشيء إلا بغضا لهذا الكتاب، فجرفهم الحماس حتى قالوا كلاما طعنوا به في التوراة والإنجيل - التي يدينون بها - وهم لا يشعرون.
لقد شهد المنصفون من المستشرقين بضد ذلك:
يقول المستشرق الإنجليزي لايتنر: (بقدر ما أعرف من دِينَيِ اليهود والنصارى أقول بأن ما علمه محمد ليس اقتباسًا، بل قد أوحى إليه ربه، ولا ريب بذلك) .
ويقول هنري دي كاستري: (ثبت إذن أن محمدا لم يقرأ كتابا مقدسا، ولم يسترشد في دينه بمذهب متقدم عليه) .
الوجه التاسع عشر: مثال أخير فيما ذكره القرآن وما ذكرته التوراة والإنجيل عن عصمة الأنبياء، والبون الشاسع بينهما.
فصفات الأنبياء في القرآن: أنهم معصومون، أما في الكتاب المقدس فلهم رذائل لم يتوبوا منها:
نوح - عليه السلام - في التوراة: فقد تحدثت التوراة عن سكر نوح وتعريه داخل خبائه فأبصره ابنه الصغير حام، وأخبر أخويه بما رأى فجاءا بظهريهما وسترا أباهما، فلما أفاق من سكرته وعرف ما فعل ابنه حام الصغير قال:"ملعون كنعان (ابن الجاني حام) ، عبد العبيد يكون لإخوته. . . وليكن كنعان عبدًا لهم".
فبدلًا من أن يوجه ابنه الصغير للتصرف الصحيح مع الوالد حين سكره وعربدته، صب لعناته على كنعان ابن حام، كنعان الذي لعله لم يخلق بعد، فما ذنب هذا! بل وما ذنب أبيه الذي
لم يكن ليستحق هذا كله؟ وماذا عن الأب الذي شرب الخمر. ما الذي يستحقه؟؟
لوط - عليه السلام: وأما لوط - عليه السلام - النبي الذي حارب الشذوذ، فتذكر التوراة أنه لما أهلك الله قومه لجأ إلى مغارة مع ابنتيه فسقتاه الخمر، وضاجعتاه ولم يعلم بذلك، وولد من هاتين الفاحشتين عمي ومؤاب، ومنهما انحدر العمويون والمؤابيون أعداء بني إسرائيل، كما في (التكوين 19: 30 - 37) .