وعلى فرض تعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - من نصارى الشام ويهود المدينة وغيرهم، لا يتفق مع الحقيقة التاريخية التي تحدثنا عن الحيرة والتردد في موقف المشركين من رسول الله في محاولتهم لتفسير ظاهرة الرسالة؛ لأن مثل هذه العلاقة مع النصارى أو اليهود لا يمكن التستر عليها أمام أعداء الدعوة من المشركين وغيرهم، الذين عاصروه وعرفوا أخباره وخبروا حياته العامة بما فيها من سفرات ورحلات.
الوجه السابع عشر: القرآن لم يأت لهدم كل شيء؛ بل لتصحيح الخطأ وإقرار الحق.
إن وجود بعض الشرائع في القرآن، التي تتفق مع ما في التوراة والإنجيل، أو حتى ما عند العرب ليس في هذا دليل على أنه مأخوذ منها، فالقرآن لم يأت لهدم كل شيء؛ بل لتصحيح الخطأ وإقرار الحق، فالصدق والشجاعة والكرم والحلم والرحمة والعزة كل هذه المعاني موجودة عند كفار مكة ومع هذا جاء الإسلام ولم يغير منها شيئا بل باركها وحث عليها، لذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ" (2) ، ولم يقل: لأنشئها؛ إذن ليس من الضروري لكتاب هداية من هذا القبيل، أن يشجب كل الوضع الذي كانت الإنسانية عليه قبله حتى يثبت صحة نفسه، فمن الطبيعي أن يقر القرآن بعض الشرائع، سواء في الكتب السابقة السماوية، أو في عادات الناس وأعرافهم، وأما الخطأ فإنه لا يقره، وقد نص القرآن على هذا المعنى في مثل قوله تعالى: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ
اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس: 37] .
الوجه الثامن عشر: الطعن في القرآن طعن في التوراة والإنجيل إن صح القول بالاقتباس.
إذا كان القرآن مأخوذ من التوراة والإنجيل فلماذا هذا الطعن في كتاب مأخوذ منهما؟ ولماذا إذن هذه الحرب الشعواء عليه؟ أليس حقيقة هذا الأمر أنه طعن في الأصل المأخوذ منه؟.