ومن لطائف الاستدلال على أنه لم ينقل من غيره ما يذكره العلماء في فوائد أسباب النزول؛ إذ يذكرون أن من فوائد أسباب النزول أن دلالته على إعجاز القرآن، وأنه من الله تعالى من ناحية الارتجال، فنزوله بعد الحادثة مباشرة يقطع دعوى من ادعوا أنه أساطير الأولين، أو من كتب السابقين (3) ، فلو كان ينقل كتابه من كتب غيره، لكان إذا سأله سائل يتريث حتى يراجع الكتب التي عنده، وينظر ماذا تقول في هذه المسألة ثم يجيب، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يفعل، بل يسأله الرجل فيعطيه الجواب الموافق للصواب، الذي لم يكن قرأه ولا عرفه إلا في هذه اللحظة التي نزل عليه فيها، وقد ذكرت في مبحث أدلة صدق النبي وقائع كثيرة تدل على هذا المعنى.
الوجه الخامس عشر: التحدي أن يأتي بمثله:
من أوضح الأدلة على رد دعوى النقل من غيره التحدي أن يأتي بمثله.
قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] .
الوجه السادس عشر: هذه الأصول المأخوذة من التوراة والإنجيل والكتب السابقة التي يزعمون أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قد نقل عنها موجودة في متناول أيدي الجميع، فلماذا يتحدى
الناس بشيء موجود؟
لو كان القرآن مأخوذًا من التوراة والإنجيل والكتب السابقة، لما استطاع محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يتحدى الناس ويقدم على هذا الخطأ الفادح؛ لأن هذه الأصول المنقول عنها موجودة في متناول أيدي الجميع، فلماذا يتحدى الناس بشيء موجود، ألا يخشى أن يقوم بعض الناس بالرجوع إلى مراجعه والعمل مثل عمله، فينكشف؟.
ثم هذه الأساطير والمراجع ليست خاصة بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، بل هي كتب متداولة بيد الجميع، فلماذا لا تحضرون لنا هذه الكتب التي نقل منها؟.