ويقول: أيُّ مصلحة للعاقل الذي يدّعي لنفسه حق الزعامة، ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد تلك الزعامة، نقول: أيُّ مصلحةٍ له في أن ينسب بضاعته لغيره وينسلخ منها انسلاخًا؟ على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها فيزداد بها رفعة وفخامة شأن، ولو انتحلها لما وجد من البشر أحدًا يعارضه ويزعمها لنفسه.
هذا وإن العرب مع حرصهم الشديد على معارضة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكثرة تحديه الدائم لهم لم يطق أحد منهم أن يعارض القرآن، ولا يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بلغ من العبقرية مبلغا بحيث لم
يستطع أحد أن يأتي بمثل ما قال؛ لأنه يمكن للمخالفين أن يجتمعوا فيألفوا قرآنا، ومعلوم أن الجماعة تبدع وتبتكر أكثر من الإنسان الواحد.
ولنا أن نتسائل كيف يكون القرآن الكريم قد أخذ من الشعر؟ فمن هو الآخذ، ومن هو الشاعر المأخوذ من شعره، وأين هذا المأخوذ، وكيف كان الأخذ ومتى حدث؟
بل يستحيل في العقل وفي العادة أن يكون على فرض أولئك الأقوام أن يكون الله تعالى خالق الكون والإنس والجن ولغاتهم هو الآخذ، فهم لا يعنون بذلك إلا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أخذ من شعر العرب الجاهليين الأميين، والقرآن حاوي العلوم جميعها فلا يكون الجهل مصدرا للعلم أبدا ومن هو المأخوذ منه؟ يقولون: امرؤ القيس فيكون بعد ذلك يقول فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم: هو حامل لواء الشعراء إلى النار. وكيف هي المؤهلات التي عند امرئ القيس وشعره حتى يؤخذ منه القرآن وإن شعره مليء بالغريب والأخطاء الفنية والأدبية على نحو ما ذكر الباقلاني في إعجاز القرآن (1) ، بل قد مَرَّ في الوجه التاسع أنَّ اقتباسَ القرآن من الشعر يستحيل للبعد الشاسع بينهما في الموضوعات والمعاني والأسلوب وفي كل شيء.
ثم أين هو شعر امرئ القيس؟ يقول الأصمعي: كل شيء في أيدينا من شعر امرئ القيس فهو عن حماد الراوية إلا نتفًا سمعتها من الأعراب وأبي عمرو بن العلاء.
فما نحل عليه كثير وكل الذي نحل عليه هو مما صنعه المولدون في عصور الإسلام فاقتبسوا في الشعر المنحول بعض آيات وكلمات القرآن الكريم.