يقول عبد القاهر الجرجاني: في حديث علقمة الفحل أنه لما قال له امرؤ القيس، وقد تناشدا: أَيُّنَا أَشعرُ؟، قال: أنا، غيرَ مُكْتَرِثٍ ولا مُبالٍ، حتى قال امرؤ القيس: فقُلْ وَانْعَتْ فَرَسَكَ وناقتَك، وأقولُ وأَنْعَتُ فرسي وناقتي.
فقال علقمة: إني فاعل، والحكَمُ بَيْني وبَينك المرأةُ من ورائك، يعني أُمَّ جُنْدُب امرأة امرئ القيس، فقال امرؤ القيس:
خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدَبِ ... نُقَضِّ لُبَانَاتِ الفُؤَادِ المُعَذَّبِ
وقال عَلْقمة:
ذَهَبْتَ مِنَ الهِجْرَانِ في كُلِّ مَذْهَبِ ... وَلَمْ يَكُ حَقًّا كُلُّ هَذَا التَّجَنُّبِ
وتحاكما إلى المرأة، ففَضَّلَت علقَمة.
ويقول عبد القاهر: وقالوا: كان الأوائل لا يفضلون على زهير أحدا في الشعر ويقولون:"قد ظلمه حقَّه من جعله كالنابغة". قالوا:"وعامة أهل الحجاز على ذلك".
ورُوِيَ عن أبي عبيدة أنه قال: أشعرُ الناس ثلاثةٌ: امرؤ القيس بن حجر، وزهير بن أَبي سُلْمَى، والنابغة الذبياني، ثم اختلفوا فيهم.
ورُوي عن يحيى بن سليمان الكاتب أنه قال: بَعَثني المنصور إلى حَمّادٍ الراوية أسأله عن أشعر الناس، فأتيتُه وقلت: إن أمير المؤمنين يسألك عن أشعر الناس.
فقال: ذاك الأعشى صَنَّاجُها.
ويقول: ويزيد الأمر بيانًا أنا رأيناهم حين طبَّقوا الشعراءَ جعلوا امرأَ القيس بنَ حجر، وزهيرًا، والنابغة والأعشى في طبقة، فأعلموا بذلك أنهم أَكفاءٌ ونُظَراء، وأن فضلًا إن كان لواحدٍ منهم، فليس بالذي يُوئِسُ الباقين من مُدَاناتِه، ومن أن يستطيعوا التعلق به والجري في مَيْدَانه ويمنعهم أن يدَّعوا لأنفسهم أو يُدَّعَى لهم أنهم ساوَوهُ في كثير مما قالوه أو دَنَوْا منه، وأنهم جَرَوا إلى غايَتِه أو كادوا، وإذا كان هذا صورة الأمر، كان من العَمَى التعلُّقُ به، ومن الخَسَار الوُقوعُ في الشُّبْهَة.
ونحن أمام قرآن عظيم ما قال بمثله ولا بمثل سورة منه إنس ولا جان فهو ليس كالشعر الذي يقوله الكثير، ثم يُفاضل بينهم.
الوجه العاشر: إن فساد معاني الأبيات بما لا يقتضيه واقع العرب وعقيدتها الجاهلية يفضح كذب ادعائها على الشعر الجاهلي كله.