فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 329897 من 466147

يقول الباقلاني: الناس إذا استحسنوا شيئًا اتبعوه، وتنافسوا في محاكاته بباعث الجبلة. وكذلك رأينا أصحاب هذا الصناعة يتبع بعضهم بعضا فيما يستجيدونه من الأساليب، وربما أدركَ اللَّاحِقُ السَّابِقَ وأَرْبَى عليه، كما صنع ابن العميد بأسلوب الجاحظ، وكما يصنع الكتاب والخطباء اليوم في اقتداء بعضهم ببعض. وما أساليب الناس على اختلاف طرائقها في النثر والشعر إلا مناهل مورودة، ومسالك معبدة، تؤخذ بالتعلم، وتراض الألسنة والأقلام عليها بالمرانة، كسائر الصناعات.

فما الذي منع الناس أن يخضعوا أسلوب القرآن لألسنتهم وأقلامهم، وهم شرع في استحسان طريقته، وأكثرهم الطالبون لإبطال حجته؟

وما ذاك إلا لأن فيه من غريب تأليفه في بنيته، وما اتخذه في رصف حروفه وكلماته وجُمله وآياته، من نظام له سمتٌ وحده، وطابع خاص به، خرج فيه عن هيئة كل نظام تعاطاه الناس أو يتعاطونه. فلا جرم لم يجدوا له مثالًا يحاذونه به، ولا سبيلًا يسلكونه إلى تذليل منهجه. يقول ابن عطية: لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم توجد.

وآية ذلك أن أحدًا لو حاول أن يدخل عليه شيئًا من كلام الناس من السابقين منهم أو اللاحقين، من الحكماء أو البلغاء أو النبيين والمرسلين؛ لأفسد بذلك مزاجه في فم كل قارئ، ويجعل نظامه يضطرب في أذن كل سامع، وإذًا لنادى الداخل على نفسه بأنه واغل

دخيل، ولنفاه القرآن عن نفسه كما ينفي الكير خبث الحديد (1) {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) } [فصلت: 42] .

الثالث عشر: أن الشعر قاله ويقوله الناس - منذ أن نطق الإنسان - المجيدون منهم الآلاف بل يزيدون، فضلا عن غيرهم، بل إن الشعراء المجيدين يفاضل الناس بينهم فيقولون: فلان أَشْعَرَ من فلان أو فلان أشعر الناس في الهجاء، وفلان أشعر الشعراء في الوصف، وآخر في الرثاء إلى غير ذلك.

وليس شيء من هذا في القرآن في دبير أو نفير، فإذا كان امرؤ القيس أشعر الشعراء؛ فإن ذلك لم يكن مسلما به حتى في زمانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت