ولنتساءل كيف تكون تلك الأبيات لامرئ القيس المشهور؟! ثم يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكلام مسروق من شعره يعرضه على قريشٍ التي هي أفصح العرب وأحفظهم لشعر الشعراء، وبلغ منهم أن عظَّموا القصائد وعلقوها على الكعبة، ولا يخرج رجل واحد منهم حافظ للشعر، ويقول له: أنت يا محمد نقلت تلك الأبيات من امرؤ القيس، ثم يأت فلان العجمي بعد ألف وأربعمائة سنة ليقول لنا: خذوا تلك أبيات امرؤ القيس التي نقلها نبيكم في القرآن!.
هذا ما يخالف العقل من جوانبه، ولو افترضنا مرة أخرى ثبوت الأبيات، فإن أي نقد يوجه إليها يوضح ضعف سبكها، وسقم معناها، وسخف بعض التراكيب فيها بما لا يتناسب مع شاعر جزل كامرئ القيس؛ بل يشعر المرءُ بمجرد قراءة تلك الأبيات أنها أقرب إلى النظم المفتعل الذي وضع صاحبه أمام عينيه آيات القرآن الكريم وأَخَذَ يجتهدُ في تضمينها أبياته، فالكلامُ مهلهلٌ، وغير مستوٍ، وفيه فجوات يملؤها الناظم كيفما اتفق.
فمن الأبيات التي ذكرها المناوي قوله:
إذا زلزلت الأرض زلزالها ... وأخرجت الأرض أثقالها
تقوم الأنام على رسلها ... ليوم الحساب ترى حالها
وهي أبيات لا يمكن أن تصدر عن امرئ القيس، فليست هي من معهود شعره، كما أن أهل الجاهلية لم يكونوا يؤمنوا بالبعث، فضلًا عن أن يذكروا تفاصيل إخراج الأرض لأثقالها، وقيام الأنام لربهم، مع حضور الرسل ليوم الحساب، إضافة إلى مشهد حساب الله تعالى للخلائق، إلا ما نقل عن الحنفاء الذين عرف اتصالهم بأهل الكتاب، ووجد في شعرهم شيء من ذلك كزيد بن عمرو بن نفيل، وامرؤ القيس ليس منهم قطعًا.
والبيت الأول لا يستقيم في ميزان الشعر ألبتة، فالتاء زائدة وكاسرة للوزن، وليس هناك رواية مكذوبة أخرى لتصحح هذا الخلل، مما يدلك على أن أصل نسبة تلك الأبيات خطأ محض.