في الآيات الخمس الأخيرة من الربع الماضي تحدث كتاب الله إلى خاتم أنبيائه ورسله عن قصة شعيب مع أصحاب الأيكة، وواصل الحديث عنها في الإحدى عشرة آية الأولى من هذا الربع. وعلى غرار ما سبقها من قصص نوح وهود وصالح ولوط افتتحها كتاب الله بنفس الأسلوب قائلا: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، واختتمها بنفس الطريقة قائلا: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} .
وقد نبه جار الله الزمخشري إلى"أن السر في كون كل قصة من هذه القصص جاء أولها وآخرها على نمط واحد هو تقرير معانيها في الأنفس، وتثبيتها في الصدور، قائلا: ألا ترى أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم - أي استظهارها شيئا فشيئا - إلا ترديد ما يراد تحفظه منها، وكلما ازداد ترديده كان أمكن له في القلب، وأرسخ في الفهم، واثبت للذكر، وأبعد عن النسيان، لا سيما وان هذه القصص طرقت بها آذان وقر عن الإنصات للحق، وقلوب غلف عن تدبره، فكوثرت بالوعظ والتذكير، وروجعت بالترديد والتكرير، لعل ذلك يفتح أذنا، أو يفيق ذهنا، أو يصقل عقلا طال عهده بالصقل، أو يجلو فهما قد غطى عليه تراكم الصدأ".