فإن قلت: لِمَ أضاف الرسل إلى نفسه سبحانه، حيث قال: {رسلنا} وأضاف الرسول إلى الأمة، حيث قال: {رَسُولُهَا} ؟
قلت: إن الإضافة تكون للملابسة، والرسول يلابس المرسل والمرسل إليه.
فالأول: كانت الإضافة فيه لتشريف الرسل.
والثاني: كانت الإضافة فيه إلى الأمة حيث كذبته، ولم ينجح فيهم إرساله إليهم، فناسبت الإضافة إليهم.
فإن قلت: لم نكر القوم هنا حيث قال: {لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} وعرفه فيما تقدم. حيث قال: {لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ؟
قلت: نكره هنا؛ لأن القرون المذكورة هنا منكرة غير معينة، بخلاف ما تقدم، فإنه في حق قوم معين كما سبق، وفي الآية دلالة على أن عدم الإيمان سبب للهلاك والعذاب في النيران، كما أن التصديق مدار للنجاة والتنعم في الجنان.
{وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50) }
فإن قلت: لم قدم عيسى هنا على أمه حيث قال: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ} ، وقدمها على عيسى في سورة الأنبياء حيث قال: {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} ؟
قلت: قدمه هنا نظرًا لأصالته فيما ذكر، من ولادته من غير أب، وقدمها هناك نظرًا لأصالتها فيما نسب إليها، من الإحصان والنفخ.
{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) }
فإن قلت: لم قال في سورة الأنبياء: {فَاعْبُدُونِ} وقال هنا: {فَاتَّقُونِ} ؟
قلت: لأن الخطاب في سورة الأنبياء للكفار، فأمرهم بالعبادة التي هي التوحيد، والخطاب هنا للرسل والمؤمنين بدليل قوله: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} والأنبياء والمؤمنون إنما يؤمرون بالتقوى لا بالتوحيد. وقال هناك: {وتقطعوا} بالواو، وقال: هنا {فَتَقَطَّعُوا} بالفاء؛ لأن التقطع هناك قد وقع منهم قبل هذا القول لهم، وما بعد الواو ليس مرتبًا على ما قبلها، والتقطع هنا وقع منهم بعد هذا القول، فما بعد الفاء مرتب على ما قبلها. اهـ."زكريا".