{لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا} هذا برهان على وحدانية الله تعالى ، والضمير في قوله {فِيهِمَآ} للسموات والأرض ، {إِلاَّ الله} صفة لآلهة ، و {إِلاَّ} بمعنى غير ، فاقتضى الكلام أمرين: أحدهما نفي كثرة الآلهة ، ووجوب أن يكون الإله واحداً ، والأمر الثاني: أن يكون ذلك الواحد هو الله دون غيره ، ودل على ذلك قوله: {إِلاَّ الله} ، وأما الأوّل فكانت الآية تدل عليه لو لم تذكر هذه الكلمة ، وقال ابن كثير من الناس في معنى الآية: إنها دليل على التمانع الذي أورده الأصوليون ، وذلك أنا لو فرضنا إليهن ، فأراد أحدهما شيئاً وأراد الآخر نقيضه ، فإما أن تنفذ إرادة كل واحد منهما ، وذلك محال ؛ لأن النقيضين لا يجتمعان ، وإما أن لا تنفذ إرادة واحدة منهما ، وذلك أيضاً محال ، لأن النقيضين لا يرتفعان معاً ، ولأن ذلك يؤدّي إلى عجزهما وقصورهما ، فلا يكونان إليهن ، وإما أن ينفذ أرادة واحدة منهما دون الآخر ، فالذي تنفذ إرادته هو الإله ، والذي لا تنفذ إرادته ليس بإله ، فالإله واحد . وهذا الدليل إن سلمنا صحته فلفظ الآية لا يطابقه ، بل الظاهر من اللفظ استدلال آخر أصح من دليل التمانع ، وهو أنه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ، لما يحدث بينهما من الاختلاف والتنازع في التدبير وقصد المغالبة ، ألا ترى أنه لا يوجد ملكان اثنان لمدينة واحدة ، ولا ولّيان لخطة واحدة {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} لأنه مالك كل شيء ، والمالك يفعل في ملكه ما يشاء ، ولأنه حكيم ، فأفعاله كلها جارية على الحكمة {وَهُمْ يُسْأَلُونَ} لفقد العلتين {أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً} كرر هذا الإنكار استعظاماً للشرك ، ومبالغة في تقبيحه ، لأن قبله من صفات الله ما يوجب توحيده ، وليناط به ما ذكر بعده من تعجيز المشركين ، وأنهم ليس لهم على الشرك برهان ؛ لا من جهة العقل ، ولا من جهة الشرع .