قِيلَ: لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا وَلَهُ حَيَاةٌ وَمَوْتٌ، وَإِنْ خَالَفَ مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ مَعْنَى ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ فِي أَنَّهُ لَا أَرْوَاحَ فِيهِنَّ , وَأَنَّ فِي ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ أَرْوَاحًا , فَلِذَلِكَ قِيلَ: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] وَقَوْلُهُ: {أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] يَقُولُ: أَفَلَا يُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ، وَيُقِرُّونَ بِأُلُوهَةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ , وَيُفْرِدُونَهُ بِالْعِبَادَةِ؟
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ}
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ الضِّيَاءُ مِنْ نَعْتِ الْفُرْقَانِ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ وَاوٌ , فَيَكُونَ مَعْنَاهُ: وَضِيَاءً آتَيْنَاهُ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ {بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبَ وَحِفْظًا} [الصافات: 7] ؟
قِيلَ لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ يَحْتَمِلُهُ، فَإِنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ مَعَانِيهِ مَا قُلْنَا. وَالْوَاجِبُ أَنْ يُوَجَّهَ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ إِلَى الْأَغْلَبِ الْأَشْهَرِ مِنْ وُجُوهِهَا الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ , مَا لَمْ يَكُنْ بِخِلَافِ ذَلِكَ مَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ مِنْ حُجَّةِ خَبَرٍ , أَوْ عَقْلٍ.
{لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ}
[الأنبياء: 102] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا يَسْمَعُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى حَسِيسَ النَّارِ، وَيَعْنِي بِالْحَسِيسِ: الصَّوْتَ وَالْحِسَّ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ جَهَنَّمَ يُؤْتَى بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَزْفُرُ زَفْرَةً لَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ , وَلَا نَبِيُّ مُرْسَلٌ إِلَّا جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ خَوْفًا مِنْهَا؟
قِيلَ: إِنَّ الْحَالَ الَّتِي لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا حَسِيسَهَا هِيَ غَيْرُ تِلْكَ الْحَالِ، بَلْ هِيَ الْحَالُ الَّتِي كما روي:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «لَا يَسْمَعُ أَهْلُ الْجَنَّةِ حَسِيسَ النَّارِ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ» .