وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) ، وقال في آية أخرى: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) ، فيكون تأويل قوله: (إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) أي: إلا لمن أذن له.
ثم يتوجه قوله: (إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) إلى الشفيع، أي: لا يؤذن لأحد بالشفاعة إلا من كان مرضيا مرتضى دينا وعملا، ويتوجه قوله: (إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) إلى المشفوع له: إلا لمن ارتضى عنه الرب مذهبًا وعملا؛ حتى لم يدخل في عمله تقصير.
ثم الشفاعة إنما جعلت في الأصل للتجاوز فيما دخل في العمل من التقصير.
ثم لا يخلو الذي يشفع له إما أن يكون صاحب الصغيرة فيجوز أن يعذب عليها، أو أن يكون صاحب كبيرة، ففيه دلالة التجاوز والعفو عن صاحب الكبيرة؛ لأنا قد قلنا: إن الشفاعة إنما جعلت لمن منه التقصير في العمل، ففيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن صاحب الصغيرة معفو عنه الصغيرة حتى لا يجوز أن يعذب عليها، وصاحب الكبيرة لا يجوز العفو عنه والتجاوز، بل هو معذب أبدًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) هذا - واللَّه أعلم - كأنه صلة قوله: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ ...) الآية، أي: من خشية عذابه وهيبته لا يتقدمون بقول ولا فعل ولا أمر ولا نهي؛ خوفًا منه وهيبة، واللَّه أعلم. انتهى انتهى {تفسير الماتريدي. 7/ 325 - 338} ...