فإن قلت: كيف عدى وسوس تارة باللام في قوله فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ وأخرى بإلى؟
قلت: وسوسة الشيطان كولولة الثكلى «1» ووعوعة الذئب ووقوفة الدجاجة ، في أنها حكايات للأصوات وحكمها حكم صوت وأجرس. ومنه: وسوس المبرسم ، وهو موسوس بالكسر.
والفتح لحن. وأنشد ابن الأعرابى:
وسوس يدعو مخلصا ربّ الفلق «2»
فإذا قلت: وسوس له ، فمعناه لأجله ، كقوله:
أجرس لها يا ابن أبى كباش «3»
ومعنى «وسوس إليه» أنهى إليه الوسوسة ، كقولك. حدّث إليه. وأسرّ إليه. أضاف الشجرة إلى الخلد وهو الخلود ، لأن من أكل منها خلد بزعمه ، كما قيل لحيزوم: فرس الحياة ، لأنّ من باشر أثره حيي وَمُلْكٍ لا يَبْلى دليل على قراءة الحسن بن على وابن عباس رضى اللّه عنهم:
إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ بالكسر.
[سورة طه (20) : آية 121]
فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (121)
(1) . قوله «كولولة الثكلى» أي الحزينة. (ع)
وسوس يدعو مخلصا رب الفلق سرا وقد أونّ تأوين العقق
في الزرب لو يمضغ شربا ما بصق
لرؤبة ، يصف قانصا. وسوس: تكلم في نفسه ، يدعو للّه مخلصا أنه يظفره بالصيد ، وقوله «سرا» ساقه مساق الظرف للتوكيد ، أي تعلق بوسوس ، وللتأسيس إن تعلق بيدعو ، وتكون الجملة حالية مبينة للوسوسة. وقد أونّ أي: الحمير الوحشية ، والجملة أيضا حالية ، والتأوين: امتلاء الجنبين من الأون ، وهو جانب الخرج الممتلئ. والأوثان الجانبان الممتلئان. والعقق: الحوامل ، واحده عقوق كعروس ، وقيل: هو العقوق ، أي امتلأت بطونهن ماء لكثرة شربهن كامتلاء بطون الحوامل في الزرب ، حال من ضمير القانص. والزرب والزربة: قترته التي يكمن فيها وانزرب القانص: دخل الزرب. وقوله «لو يمضغ» في معنى الحال أيضا ، أي: ساكنا بحيث لو يمضغ شربا ، أي:
لو يلوك بفمه مقدارا من مائه وهو الريق ، لم يبصق لئلا يسمع الصيد صوته. وأصل الشرب: النصيب من الماء ، استعاره لما يجتمع بفمه من الريق ، وبين الزرب والشرب الجناس المضارع.
أجرس لها يا ابن أبى كباش فما لها الليلة من أنفاش
غير السرى وسائق نجاش
«أجرس» بقطع الهمزة وبالسين المهملة ، أي: صوت واحد للإبل في السير ، فما لها في هذه الليلة انفاش ، أي:
إطلاق في المرعى. والسرى: سير الليل. ونجشت الإبل: جمعتها بعد تفرق. ونجاش: صيغة مبالغة ، أي: ليس لها رعى ، بل سير شديد. وروى «اجرش» بوصل الهمزة والشين المشالة ، وهو بمعناه هنا. والجرس - بالمهملة -:
الصوت الخفي ، وبالمشالة: صوت المشط في الشعر. وما شابه ذلك.