والمعنى: يا حسرتنا تعالَيْ فهذا أوانك ، واحضري فقد فاتتْ الفرصة إلى غير رجعة . إذن: فيوم الحسرة هو يوم القيامة ، حيث لن يعود أحدٌ ليتدارك ما فاته من الخير في الدنيا ، وليتَ العقول تعي هذه الحقيقة ، وتعمل لها وهي ما تزال في سَعَة الدنيا .
ومعنى: {إِذْ قُضِيَ الأمر} [مريم: 39] أي: وقع وحدث ، ولا يمكن تلافيه ، ولم يَعُدْ هناك مجال لتدارُكِ ما فات ؛ لأن الذي قضى هذا الأمر وحكم به هو الله تبارك وتعالى الذي لا يملك أحدٌ ردَّ أمرِه أو تأخيره عن موعده أو مناقشته فيه ، فسبحانه ، الأمر أمره ، والقضاء قضاؤه ، ولا إله إلا هو .
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أن الله حينما يُدخل أهلَ الجنةِ الجنةَ ، ويُدخِل أهلَ النارِ النار يأتي بالموت على هيئة كبش ، فيقول للمؤمنين: أتعرفون هذا؟ قالوا: نعم هو الموت جاءنا وعرفناه ، ويقول للكفار: أتعرفون هذا؟ يقولون: عرفناه ، فيميت الله الموت ويقول لأهل الجنة: خلود بلا موت . ولأهل النار: خلود بلا موت".
وهكذا قضى اللهُ الأمرَ ليقطع الأمل على الكفار الذين قد يظنُّون أن الموت سيأتي ليُخرجهم مما هُمْ فيه من العذاب ويريحهم ، فقطع الله عليهم هذا الأمل وآيسهم منه ، حيث جاء بالموت مُشخّصاً وذبحه أمامهم ، فلا موتَ بعد الآن فقد مات الموت .
لذلك يخبر عنهم الحق تبارك وتعالى: {وَنَادَوْاْ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} [الزخرف: 77] .
ثم يقول تعالى: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39] .
الغفلة: أن يصرف الإنسان ذِهْنه عن الفكر في شيء واضح الدليل على صحته ؛ لأن الحق تبارك وتعالى ما كان لِيُعذّب خَلْقه إلا وقد أظهر لهم الأدلة التي يستقبلها العقل الطبيعي فيؤمن بها .