وقرأ الجمهور: {خِفْتُ الْمَوَالِيَ} بكسر الخاء وسكون الفاء، على أن فاعله ضمير يعود إلى {زَكَرِيَّا} ومفعوله {الْمَوَالِيَ} ، وأسكن الزهري ياء {الْمَوَالِيَ} وقرأ عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وسعيد بن العاص، وابن يعمر، وابن جبير، وعلي بن الحسين، وولده محمد، وزيد، وشبيل بن عزرة، والوليد بن مسلم {خِفْتُ الْمَوَالِيَ} بفتح الخاء وتشديد الفاء وكسر تاء التأنيث وسكون ياء {الْمَوَالِيَ} على أنه فاعل {خِفْتُ} ؛ أي: قلوا وعجزوا عن القيام بأمر الدين بعدي، أو انقطعوا بالموت مأخوذًا، من خفت القوم إذا ارتحلوا، وهذه قراءة شاذة بعيدة عن الصواب، وقرأ الجمهور: {وَرَائِي} بالهمز والمد وسكون الياء، وقرأ ابن كثير: بالهمز والمد وفتح الياء، وروي عنه أنه قرأ بالقصر مفتوح الياء، مثل عصاي، واختلفوا في وجه المخافة من زكريا لمواليه من بعده، فقيل: خاف أن يرثوا ماله، وأراد أن يوثه ولده، فطلب من الله سبحانه أن يرزقه ولدًا، وقال آخرون: إنهم كانوا مهملين لأمر الدين، فخاف أن يضيع الدين بموته، فطلب وليًا يقوم به بعد موته، وهذا القول أرجح من الأول؛ لأن الأنبياء لا يورثون، وهم أجل من أن يعتنوا بأمور الدنيا،
فليس المراد هنا وراثة المال، بل المراد وراثة العلم والنبوة والقيام بأمر الدين، وقد ثبت عن نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"نحن - معاشر الأنبياء - لا نورث، ما تركناه صدقة".
{وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا} ؛ أي: لا تلد من حين شبابها، اسمها إيشاع بنت فاقوذ بن فيل، وهي أخت حنّة بنت فاقوذ أم مريم، والعاقر من الرجال والنساء: من لا يولد له ولد، وكان سنّها حينئذٍ ثمان وتسعين على ما اختاره الكاشفي، {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ} ؛ أي: أعطني من محض فضلك الواسع، وقدرتك الباهرة، {وَلِيًّا} ؛ أي: ولدًا من صلبي
6 - {يَرِثُنِي} من حيث العلم والدين والنبوة، فإن الأنبياء لا يورّثون المال كما مر آنفًا، ولم يصرّح بطلب الولد، لما علم من نفسه بأنه قد صار هو وامرأته في حالة لا يجوز فيها حدوث الولد بينهما وحصوله منهما.