ومهما يكن اشتقاقه فهو أشرف مكان خرج على قومه منه وأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا، (فَأَوْحَى) أي أشار إليهم، وكأنه كان إلى محبوس اللسان، كما يدل على ذلك مخاطبته لفومه بالإشارة والرمز، وقد كان هو في ذكر دائم، كما قال تعالى: (. . . وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِي وَالإِبْكَارِ) .
وقد دعا قومه للمشاركة في هذا بالإشارة لشكر اللَّه تعالى لما تأكد من العلامة أن اللَّه تعالى وهبه الولد الذي يكون وليا.
والتسبيح: التقديس، والتسبيح في العشي والإبكار يفيد أنه تسبيح طوال النهار وطرفا من الليل، وكانت دعوة قومه للتسبيح معه؛ لأنه ذلك الولي الذي جعله رضيا سيكون مصدر خير لهم، ولأنه يكون خلفا من الإيمان بالأسباب والمسببات إلى الإيمان باللَّه الفعال لما يريد.
بعد ذلك كان يحيى نبي اللَّه، وقد صار شخصا سويا يخاطب وينادى بما أنعم اللَّه به عليه وعلى أبيه فقال تعالى مخاطبا نبيه يحيى:
(يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا(12)
ناداه سبحانه بالبعيد إعلاء له وتشريفا، وناداه باسمه محبة له وتقريبا، وقد دل ذلك النداء على أنه بلغ حد الخطاب؛ ولذا تضمن معنى كبر وكمل، وعطف عليه بقوله: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) ، فالواو عاطفة تحمل على ما تضمنه معنى (يَا يَحْيَى) من بلوغ الرشد، واستواء الشخصية الإنسانية وذلك أمر خارق للعادة فإن الصبي يشدو في الكمال حتى يبلغ مبلغ الرجال، فيخاطب كما يخاطب الرجال، ولكنه بلغ مبلغ الرجال، وهو مبلغ من يعطيه اللَّه تعالى الحكْم، والحُكْم هنا الحكمة، وذلك كما في كلام حكيم تميم أكثم بن صيفي"الصمت حكْم، وقليل فاعله"، أي الصمت حكمة وقليل فاعله، والكتاب الذي أخذه هو التوراة، فقد كانت التوراة شريعة النبيين الذين جاءوا من بعد موسى يقرأونها وينفذون أحكامها، ويعلمونها للناس ويحكمون بما اشتملت عليه من نظم، فداود وسليمان - عليهما السلام - كانا ينفذان في ملكهما حكم التوراة، ويقيمان ما اشتملت من حدود وقصاص من غير تفريط فيها، ومعنى (بِقُوَّةٍ) ، أي خذه منفذا له بقوة لا تخشى فيه لومة لائم، ولا معذرة لأثيم.