هذا هو الطلب الأول الذي دعا ربه ضارعا إليه، أما الطلب الثاني فهو أنه خصه بأن يكون مرضيا، أي تكون سجاياه وأعماله وأخلاقه مرضية مستقيمة، ولذا قال تعالى: (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) ، (رَضِيًّا) هنا فعيل بمعنى مفعول، أي اجعله مرضيا عندك، أي أن أخلاقه وأفعاله وصفاته المكتسبة موضع رضا منك، ولم يقل: وكن راضيا عنه، لأنه يطلب ما يطلب في خلق الولي وتكوينه، أي اجعله في تكوينه محاولا رضاك، وأن ترضى عنه، بحيث يتخذ الأسباب لينال رضاك أنت العليم الحكيم فلا يكون شقيا، ولا يكون عصيا بل يكون رضيا برا تقيا.
وإن الدعاء صادر من قلب خاشع ضارع، ولذا استجاب سبحانه وكان الخارق للعادة فقال تعالى:
(يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا(7)
ابتدأ الإجابة بندائه باسمه إدناء، وعناية وإظهار الحبة واختصاصه، وتمكينا لإجابته في ندائه الضارع، وأردف ذلك النداء المقرِّب بقوله: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ) ، (نُبَشِّرُكَ) أضاف سبحانه التبشير إلى ذاته العلية ذاكرا بضمير المتكلم العظيم فوق كل عظمة الذي لَا يتقيد بأسباب الناس وعاداتهم، بل إنه الفعال لما يريد (بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى) ، وتأكيدا للتبشير سماه اللَّه تعالى، فسماه يحيى، ولهذا الاسم مناسبة واضحة بالنسبة لأبويه، فأبوه شيخ فان، وكأنما رد إليه شبابه في حياة ولده فكان له إحياء، وأمه عاقر، كأنما خلق اللَّه تعالى الحياة في رحم جف فلم يربّ جنينا، فكان منه الولد، وذلك بلا ريب خرق للأسباب والمسببات العادية التي فرضها فأسفة اليونان الذين قارنوا ظهور المسيح - عليه السلام - ومريم أمه، وزكريا كافلها، و (لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا) ، أي شبيها في خلاله وسجاياه، فقد كان حصورا من الصالحين وليس له سمي، فالتسمية من اللَّه، وقد سبق يحيى بها كل الأسماء التي سمي بها الرجال.