(ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا(2)
(ذِكْرُ) خبر (كهيعص) وهذا يشير إلى أنها الكتاب أو بعضه، و (عَبْدَهُ) منصوبة بالرحمة؛ لأن الرحمة مصدر بمعنى المرة من الرَّحْم، ويصح أن يجعل مفعولا لـ (ذِكْرُ) ، على أن تكون إضافة الذكر إلى الرحمة من إضافة المصدر لفاعله، وإنا نرى أن ذلك بعيد ويحتاج إلى تأويل، وما لَا تحتاج لتأويل أولى مما يحتاج لتأويل.
وإن ذلك الذكر لهذه الرحمة في وقت نادى ربه بها، ولذا قال تعالى:
(إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا(3)
أي دعاه دعاء الضارع الخاضع المتوكل، الذي لَا يرجو إلا ربه، وعبر بالنداء لأنه طلب منه، التجأ فيه إليه، وهو طلب لشخصه ولأسرته، وقد كان هذا الطلب في ذاته دعاء وعبادة، كما قال تعالى: (. . . ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. . .) ، ودعاه في خفاء، ولذا قال سبحانه: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) ، و (خَفِيًّا) صفة مبالغة من خفي، أي أنه بالغ في إخفاء دعائه فلا يعلمه قومه، ولأنه مناجاة للَّه وضراعة إليه وهو لَا يلتجى إلا إليه وحده: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ... ) . وقال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(55) .
وفى هذا إشارة إلى أن الدعاء تضرع وفي الجهر به اعتداء؛ لأنه يكون فيه دعوة لغير اللَّه وشكوى للناس من ربه.
وموضوع النداء، بينه بقوله تعالى عنه.
(قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا(4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5)
(وَهَنَ الْعَظْمُ) ، أي ضعف، ووهن العظم دليل على وهن الجسم كله؛ لأنه عمود الدين وبه قوامه، وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى وتساقط سائر قوته؛ ولأنه أشد ما فيه وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن منه، كذا قال القرطبي في تفسيره.