(إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء) أي إن مثلها في سرعة الذهاب والاتصاف بوصف يضاد ما كانت عليه ويباينه، مثل ما على الأرض من أنواع النبات في زوال رونقه وذهاب بهجته وسرعة تقضيه، بعد أن كان غضاً مخضراً طرياً قد تعانقت أغصانه المتمايلة، وزهت أوراقه المتصافحة، وتلألأت أنواع نوره وحاكت الزهر أنواع زهره، وإنما ليست للحصر لأنه تعالى ضرب للحياة الدنيا أمثالاً غير هذا، وليس المشبه به هو ما دخله الكاف في قوله كماء بل ما يفهم من الكلام.
(فاختلط به) أي بسببه (نبات الأرض) بأن اشتبك بعضه ببعض لكثرته حتى بلغ إلى حد الكمال، ويحتمل أن يراد أن النبات كان في أول بروزه ومبدأ حدوثه غير مهتز، ولا مترعرع فإذا نزل الماء عليه اهتز، وربا حتى اختلط بعض الأنواع ببعض (مما يأكل الناس والأنعام) أي كائناً من الحبوب والثمار والكلأ والتبن والعشب.
(حتى إذا أخذت الأرض زخرفها) قال في الصحاح: الزخرف الذهب ثم يشبه به كل مموه مزور. اهـ.
وفي القاموس الزخرف بالضم الذهب وكمال حسن الشيء ، ومن القول
حسنه، ومن الأرض ألوان نباتها، والمعنى أن الأرض استوفت واستكملت لونها الحسن المشابه بعضه للون الذهب وبعضه للون الفضة وبعضه للون الياقوت وبعضه للون الزمرد وحتى غاية لمحذوف، أي ما زال ينمو ويزهر حتى أخذت حسنها ونضارتها وبهجتها، وأظهرت ألوان زهرها من أبيض وأخضر وأحمر وأصفر وغير ذلك.
(وازينت) أي تزينت به، وقرئ أزينت على وزن أفعلت أي ازينت بالزينة التي عليها، شبهها بالعروس التي تلبس الثياب الجيدة المتلونة ألواناً كثيرة ففي الكلام استعارة مكنية.
(وظن أهلها) أي أهل تلك الأرض الآخذة زخرفها (إنهم قادرون عليها) أي غلب على ظنونهم أو تيقنوا أنهم قادرون على حصادها والانتفاع بها محصلون لثمرتها رافعون لغلتها متمكنون على جدادها وقطافها، والضمير في عليها للأرض والمراد النبات الذي هو عليها.