ولذلك يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الغيب والشهادة فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 94]
وما دام سبحانه عالم الغيب ، فمن باب أوْلى أنه عليم بعالم الشهادة . والغيب - كما نعرف - هو ما غاب عنك ، فلم تعرف عنه شيئاً . ولكن إنْ غاب عنك ولم يَغِبْ عن غيرك فهو غّيْبٌ نسبي ؛ لأن هناك حجباً منعت عنك العلم ، والمثَال: إن سُرق منك شيء فأنت لا تعرف السارق ؛ ولكن السارق نفسه يعرف ، ومن شاركه يعرف . والذي أخفى السارق عنده المسروقات يعرف . والذي ابتاع المسروقات يعرف .
إذن: فهو غيب عنك وليس غيباً على غيرك . أما الغيب المطلق فهو ما غاب عنك وعن غيرك ، وهناك من يلجأ إلى الدجالين ممن يدّعون قراءة الأفكار ، ويسمونهم المنوِّمين المغناطيسيين ، ويطلب المنوّم من أي واحد أن يُخرج ما في جيبه من نقود وأن يقوم بعدّها ، ثم يخبره بعددها ، وإن أردت أن تكشف ألاعيبه ؛ ضع يدك في جيبك وأخرج كمية من النقود لا تعرف أنت مقدارها ، واسأله عن هذا المقدار فلن يعرف ، لماذا؟ لأنك نقلت المسألة من غيب قد يعرفه غيرك إلى غيب مطلق .
إذن: فالغيب المطلق هو ما غاب عنك عن غيرك ، وهو أيضاً ما لا تكون له مقدمات توصلك إليه ، فأنت إذا أعطيت ابنك تمريناً هندسيّاً ليحله ؛ فالحل غيب عنه ساعة يقرأ المسألة ، ثم يستخدم المقدمات والنظريات حتى يصل إلى الحل ، فكأن هناك أشياء لها مقدمات توصل إلى النتائج ، وهذه ليست غيباً ؛ لذلك لا يقال لمن اكتشف الكهرباء والذي اكتشف تفتيت الذرة أنهما علما الغيب . فقد كانت هناك مقدمات في الكون أوصلتهما إلى كشف بعض القوانين الموجودة بالفعل ، لكنّنا لم نكُنْ نعرفها .
وفي بعض التدريبات ، نجد من يضع المسألة المطلوب حلّها ، ويضع النتيجة الأخيرة بجانبها ؛ لأنه لا يهدف إلى معرفة النتيجة ، ولكنه يهدف لتعليم التلميذ كيف يصل إلى أسلوب الحل الصحيح .