وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ: إنَّهُ يَعْلَمُ وَلَا يَرَى ، وَمَتَى أُخْبِرَ عَنْهُ بِالرُّؤْيَةِ فَإِنَّهَا رَاجِعَةٌ إلَى الْعِلْمِ ، وَقَدْ دَلَّلْنَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ عَلَى أَنَّهُ رَاءٍ بِرُؤْيَةٍ ، كَمَا أَنَّهُ عَالِمٌ بِعِلْمٍ ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ ، وَخَبَرُهُ صَادِقٌ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ رَائِيًا لَكَانَ مَئُوفًا ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ إذَا لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا كَانَ مَئُوفًا ، وَهُوَ الْمُتَقَدِّسُ عَنْ الْآفَاتِ وَالنَّقَائِصِ ، وَهَذِهِ الْعُمْدَةُ الْعَقْلِيَّةُ لِعُلَمَائِنَا ؛ فَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ ، وَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِنْ نَعْتِهِ ، فَلَزِمَنَا اعْتِقَادُهُ وَالْإِخْبَارُ بِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تَعَالَى {وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ} : ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبَالِ ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ مُسْتَقْبَلَةٌ ، وَالْبَارِي يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ ، وَيَرَاهُ إذَا عَمِلَ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ ، وَالرُّؤْيَةُ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمَوْجُودِ ، وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، {عَنْ جِبْرِيلَ: مَا الْإِحْسَانُ ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ ؛ فَإِنَّك إنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك} .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ: {وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ} : مَعْنَاهُ يَجْعَلُهُ فِي الظُّهُورِ مَحَلَّ مَا يَرَى.