إذن: فقد كان الحج موسماً اقتصادياً مزدهراً لأهل مكة ؛ يربحون خلاله ما يكفي معيشتهم طوال العام ، فلما جاء البلاغ من الله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا} . فالخاطر الذي يأتي في النفس البشرية ؛ وكيف سنعيش؟ . هذا هو أول خاطر ياتي على البال ؛ لأنه سؤال عن مقومات الحياة ، والذي خلقهم عليم بما يدور في خواطرهم . وإن لم يجر على ألسنتهم ، حينئذ جاء قول الحق سبحانه: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ ...} [التوبة: 28]
إذن: فالله سبحانه وتعالى قد علم ما يدور في خواطرهم ، فرد عليه قبل أن ينطقوه .
كذلك قول الحق سبحانه: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} والفقه هو الفهم الدقيق . فأنت حين تعرف شيئاً بسطحياته تكون قد عرفته ، ولكنك إن عرفته بكل معطياته الخلفية تكون قد فقهته . وأنت إذا ذهبت للجهاد في الحر قد تتعب ، ولكن إذا قعدت عن الجهاد سوف تكون عقوبتك أكبر وتعبك أشد .
إذن: فعلمك بشيء وهو الحر الذي ستواجهه إن خرجت للجهاد ، يجب ألا ينسيك ما غاب عنك ، وهو أن نكوص الإنسان عن الجهاد يدخله ناراً أشد حرارة ، يخلد فيها . ومعنى ذلك أنه لم يفقه ؛ لأنه علم شيئاً وغاب عنه أشياء .
ومن هذا المنطق القرآني ، رد الإمام علي كرم الله وجهه على القوم حينما دعاهم إلى الجهاد ضد الخوارج فقال:"أما بعد ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة ، فمن تركه رغبة عنه سيم الخسف".
ثم يقول بعد ذلك:"إن قلت لكم: اغزوهم في الشتاء ، قلتم: هذا أوان قر وصر . . أي برد شديد . وإن قلت لكم: اغزوهم في الصيف ، قلتم: أنظرنا - أي أمهلنا - حتى ينصرف الحر عنا ، فإذا كنتم في البرد والحر تفرون ، فأنتم والله في النار . يا أشباه الرجال ولا رجال".