ثم أبان الله تعالى أنهم كالكفار ليسوا أهلا للاستغفار، ولا ينفعهم الدعاء، فسواء استغفر لهم الرسول أو لم يستغفر لهم، فلن يستر الله عليهم ذنوبهم بالعفو عنها، وترك فضيحتهم بها، وإنه لو استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ولن يعفو عنهم، وذلك نظير قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [المنافقون 63/ 6] .
وليس المراد بالسبعين هنا التحديد بعدد معين، فيكون ما زاد عليها بخلافها، وإنما المراد المبالغة في الكلام بحسب أسلوب العرب.
وقد كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إظهارا لرحمته بالأمة، ولطلبهم الاستغفار منه، يدعو الله لهم بالهداية، ويستغفر لهم، كما كان يدعو للمشركين كلما اشتد إيذاؤهم له،
فيقول كما روى ابن ماجه: «اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون»
فمنعه الله من ذلك.
وكان عذر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم في استغفاره: هو عدم يأسه من إيمانهم، ما لم يعلم أنهم مطبوعون على الضلالة، والممنوع هو الاستغفار بعد العلم لقوله تعالى:
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ [التوبة 9/ 113] .
وقد ذكر الله تعالى هنا سبب عدم قبول الاستغفار والدعاء لهم بقوله:
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا ... أي إنهم كفروا وجحدوا بالله ورسوله، فلم يقروا بوحدانية الله تعالى، ولم يعترفوا ببعثه النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، وأصروا على الجحود والإنكار، فلم تعد قلوبهم مستعدة لقبول الخير والنور، وإن سنة الله ألا يوفق للخير القوم المتمردين في الكفر، الخارجين عن الطاعة، الذين فقدوا الاستعداد للإيمان والتوبة. فاليأس من المغفرة وعدم قبول الاستغفار لهم ليس لبخل من الله، ولا قصور في النبي، بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف عن المغفرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي: