وقال أبو بكر بن الأنباري: (إن الله خلق السماوات والأرض والليل والنهار تكرمة لآدم وذريته، وقد بيّن هذا في قوله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} الآية [البقرة: 22] ، وفي قوله: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [القصص: 73] ، فلما كان خلق هذه الأشياء تكرمة لآدم وولده، وكانت الأيام سبعة أوقع في كل يوم منها ضربًا من التكرمة نبه به الملائكة على عظم شأن آدم وولده عنده، وكان خلق السماوات والأرض في ستة أيام عن غير عجز من الله عز وجل أن يكون في لمحة، ولكنه تعالى أراد أن يوقع في كل يوم منها أمرًا من خلقه تستعظمه الملائكة وجميع المشاهدين له) ، وهذا معنى قول مجاهد: (إن ذلك رُتِّب على الأيام: الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، فاجتمع الخلق فيه) .
وقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} أي: أقبل على خلقه، وقصد إلى ذلك بعد خلق السماوات والأرض، وهذا قول الفراء وأبي العباس والزجاج.
وقال آخرون: {اسْتَوَى} معناه استولى واحتجوا بقول البعيث:
ثم اسْتَوَى بِشْرُ على العِرَاقِ ... من غير سيفٍ ودمٍ مُهْرَاقِ
يعني: بشر بن مروان، وعلى هذا خصّ العرش بالإخبار عن الاستيلاء عليه؛ لأنه أعظم المخلوقات.
وقال الأخفش: ( {اسْتَوَى} أي: علا، يقال: استويت على ظهر البيت أي: علوته) وهذا القول اختيار ابن جرير، قال: (معناه: ارتفع ارتفاع ملك وسلطان، لا ارتفاع انتقال وزوال) ، وهذا يعود إلى معنى الاستيلاء. وقد شرحنا الاستواء في صفة الله تعالى مستقصى في سورة البقرة.
و {الْعَرْشِ} في كلام العرب سرير الملك، يدل على ذلك سرير ملكة سبأ, سماه الله عرشًا فقال: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) } [النمل: 23] ، والعرش في اللغة: قد يكون عبارة عن الملك، يقال: ثُلَّ عَرْشُه، إذا ذهب عزه وملكه، ومنه قول زهير:
تَدَاركتُما الأَحلافَ قد ثُلَّ عَرْشُهَا