غير أنه لا يسوغ أن يكون المراد بالعرش في هذه الآية الملك؛ لأنه يوجب أن الله لم يكن مستويًا على ملكه قبل خلق السماوات والأرض.
وقوله تعالى: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} وقرئ {يُغْشِي} مخففا، والإغشاء.
والتغشية: إلباس الشيء الشيء ، وقد جاء التنزيل بالتشديد والتخفيف، فمما جاء بتضعيف العين قوله: {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} [النجم: 54] ، ومما جاء بنقل الهمزة: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس: 9] ، والمفعول الثاني محذوف على معنى: فأغشيناهم العمى أو فقد الرؤية.
قال أبو إسحاق: (والمعنى: أن الليل يأتي على النهار ويغطيه ولم يقل: يغشي النهار الليل؛ لأن في الكلام دليلًا عليه، وقد قال في موضع آخر: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} [الزمر: 5] .
قال أبو علي: (وهذا كما قال: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81] ، ولم يذكر تقيكم البرد للعلم بذلك من الفحوى، ومثل هذا لا يضيق، وكل واحد من الليل والنهار منتصب بأنه مفعول به، والفعل قبل النقل غشي الليلُ النهارَ، فإذا نقلت قلت: أغشى الله الليل النهار، أو غَشَّى الله الليل النهار، فصار ما كان فاعلًا قبل النقل مفعولًا أول) .
وقوله تعالى: {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} ، قال الليث: (الحث: الإعجال والاتصال، تقول: حثثت فلانًا فاحْتث وهو حثيث محثوث: جاد سريع) .
قال الأعشي:
تَدَلَّى حثيثًا كَأَنَّ الصِّوَارَ ... أَتْبَعَهُ أَزْرِقيٌّ لَحِمْ
شبه الفرس في السرعة بالبازي.
قال ابن عباس: (يريد يطلب الليل النهار لا غفلة له) .
و قال المبرد: (يعني: يطلب الليل النهار دائبًا) .
وقال غيره: (معنى: {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} هو أن يستمر الليل في طلب النهار على منهاج من غير فتور يوجب الاضطراب، كما يكون في السوق الحثيث) ، وهذا معنى قول ابن عباس: (لا غفلة [له) ] .