فإن قلنا بهذا التفسير فقد زال السؤال ، وإن قلنا المراد من قوله: {ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا} هو الدعاء كان الجواب أن قوله: {ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} يدل على أن الدعاء لا بد وأن يكون مقروناً بالتضرع وبالإخفاء ، ثم بين في قوله {وادعوه خَوْفًا وَطَمَعًا} أن فائدة الدعاء هو أحد هذين الأمرين ، فكانت الآية الأولى في بيان شرط صحة الدعاء ، والآية الثانية في بيان فائدة الدعاء ومنفعته.
السؤال الثاني: إن المتكلمين اتفقوا على أن من عبد ودعا لأجل الخوف من العقاب والطمع في الثواب لم تصح عبادته ، وذلك لأن المتكلمين فريقان: منهم من قال التكاليف إنما وردت بمقتضى الألهية والعبودية ، فكونه إلهاً لنا وكوننا عبيداً له يقتضي أن يحسن منه أن يأمر عبيده بما شاء كيف شاء ، فلا يعتبر منه كونه في نفسه صلاحاً وحسناً ، وهذا قول أهل السنة.
ومنهم من قال: التكليف إنما وردت لكونها في أنفسها مصالح ؛ وهذا هو قول المعتزلة.
إذا عرفت هذا فنقول: أما على القول الأول: فوجه وجوب بعض الأعمال ، وحرمة بعضها مجرد أمر الله بما أوجبه ونهيه عما حرمه ، فمن أتى بهذه العبادات صحت.
أما من أتى بها خوفاً من العقاب ، أو طمعاً في الثواب ، وجب أن لا يصح ، لأنه ما أتى بها لأجل وجه وجوبها ، وأما على القول الثاني: فوجه وجوبها هو كونها في أنفسها مصالح ، فمن أتى بها للخوف من العقاب ، أو للطمع في الثواب فلم يأت بها لوجه وجوبها ، فوجب أن لا تصح ، فثبت أن على كلا المذهبين من أتى بالدعاء وسائر العبادات لأجل الخوف من العقاب ، والطمع في الثواب ، وجب أن لا يصح.
إذا ثبت هذا فنقول: ظاهر قوله: {وادعوه خَوْفًا وَطَمَعًا} يقتضي أنه تعالى أمر المكلف بأن يأتي بالدعاء لهذا الغرض ، وقد ثبت بالدليل فساده ، فكيف طريق التوفيق بين ظاهر هذه الآية وبين ما ذكرناه من المعقول.