فَإِنْ قُلْتَ: لم أتى بالفاء هنا وفي سائر المواضع إلا في يونس فحذفها؟
قلت: لأن مدخولها في غير يونس جملة معطوفة على أخرى مصدرة بالواو، وبينهما اتصال وتعقيب، فحسن الإتيان بالفاء الدالة على التعقيب بخلاف ما في يونس. انتهى من «الفتوحات» .
وفي الآية إيماء إلى أن الأمة قد تملك طلب تأخير الهلاك قبل مجيئه؛ أي:
قبل أن تغلبها على إرادتها أسباب الهلاك بأن تترك الفواحش والآثام والظلم والبغي، والإسراف المفسد للأخلاق، وخرافات الشرك المفسدة للعقول، وتترك البدع في التحريم والتحليل بما لم يخاطب به المولى بأن يقوم فيها جماعة من المصلحين، فيرشدوها إلى تغير ما بأنفسها من الفساد، فيغير الله ما بها، وهذا من استئخار الهلاك، أو منعه عنها قبل مجيء أهلها.
وخلاصة معنى الآية: أن لكل أمة أجلا لا يتأخرون عنه إذا جاء ولا يتقدمون عليه أيضا، فيهلكوا قبل مجيئه، ونحو الآية قوله: {ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (5) } - صلى الله عليه وسلم - .
35 - {يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} ؛ أي يا بني آدم إن يأتكم رسل من أبناء جنسكم من البشر {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي} ؛ أي: يتلون عليكم آياتي التي أنزلتها عليكم لبيان ما آمركم به من صالح الأعمال، وترك ما أنهاكم عنه من الشرك والرذائل وقبيح الأعمال {فَمَنِ اتَّقى} واجتنب منكم ما نهيته عنه {وَأَصْلَحَ} نفسه بفعل ما أوجبته عليه {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من عذاب الآخرة حين يخاف غيرهم {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} حين الجزاء على ما فاتهم في الدنيا، أما حزنهم على عقاب الآخرة فيرتفع بما حصل لهم من زوال الخوف.
وحكمة كون الرسول منهم: أنه أقطع لعذرهم، وأظهر في الحجة عليهم إذ معرفتهم بأحواله تبين لهم أن المعجزات التي ظهرت على يديه إنما هي بقدرة الله لا بقدرته إلى ما في ذلك من حصول الألفة، فالجنس يألف بالجنس ويركن إليه، ومن ثم قال: {وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا} .
وقرأ أبيّ والأعرج: {إما تأتينكم} - بالتاء على تأنيث الجماعة - {ويَقُصُّونَ} محمول على المعنى إذ ذاك؛ إذ لو حمل على اللفظ لكان تقص.