والتّضرّع: إظهار التّذلل بهيئة خاصة ، ويطلق التّضرع على الجهر بالدّعاء لأنّ الجهر من هيئة التّضرع ، لأنّه تذلّل جهري ، وقد فُسّر في هذه الآية وفي قوله في الأنعام (63) : {تدعونه تضرعاً وخفية} بالجهر بالدّعاء ، وهو الذي نختاره لأنّه أنسب بمقابلته بالخُفية ، فيكون أسلوبه وفقا لأسلوب نظيره في قوله {ادعوه خوفاً وطمعاً} [الأعراف: 56] وتكون ، الواو للتقسيم بمنزلة (أو) وقد قالوا: إنّها فيه أجود من (أوْ) .
ومن المفسّرين من أبقى التّضرع على حقيقته وهو التّذلل ، فيكون مصدراً بمعنى الحال ، أي متذلّلين ، أو مفعولاً مطلقاً ل {ادعوا} ، لأنّ التّذلّل بعض أحوال الدّعاء فكأنّه نوع منه ، وجعلوا قوله: وخفية مأموراً به مقصوداً بذاته ، أي ادعوه مُخفين دعاءكم ، حتّى أوهم كلام بعضهم أنّ الإعلان بالدّعاء منهي عنه أو غير مثوب عليه ، وهذا خطأ: فإنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم دعا علَناً غير مرّة.
وعلى المنبر بمسمع من النّاس وقال:"اللّهمّ اسْقِنا"وقال:"اللّهمّ حَوالَيْنا ولا علينا"وقال:"اللّهمّ عليك بقريش"الحديث.
وما رويت أدعيته إلاّ لأنّه جهر بها يسمعها من رَوَاها ، فالصّواب أنّ قوله: {تضرعاً} إذنٌ بالدّعاء بالجهر والإخفاء ، وأمّا ما ورد من النّهي عن الجهر فإنّما هو عن الجهر الشّديد الخارج عن حدّ الخشوع.
وقرأ الجمهور {وخفية} بضمّ الخاء وقرأه أبو بكر بكسر الخاء وتقدّم في الأنعام.
وجملة {إنه لا يحب المعتدين} واقعة موقع التّعليل للأمر بالّدعاء ، إشارة إلى أنّه أمر تكريم للمسلمين يتضمّن رضي الله عنهم ، ولكن سلك في التّعليل طريق إثبات الشّيء بإبطال ضدّه ، تنبيهاً على قصد الأمرين وإيجازاً في الكلام.