الكلام عن الإعجاز شَغَفَ كُتَّابًا، وأسالَ مِدادًا، وشغل مواقعَ متخصصةً، وغير متخصصةٍ في الشبكة العنكبوتية، وصحيح أنَّ فضل الله لا يُحْجَرُ؛ إذ يوجد في النهر ما لا يوجد في البَر والبحر، وتتفاوت الهمم بين الناس، كما تتفاوت مَلَكَاتُهم وسرعة نباهتهم في فَهْم الإشارات اللَّطيفة، والعبارات الدقيقة، وسرعة البداهة في ربط الأسباب بمسبِّباتها، الشيء الذي يمكِّن المرء من وضع اليد على نُكَتٍ علمية، جليلةِ القدر، عظيمةِ الشأن، عاليةِ الكعب، غاليةِ الاستنتاج، تتناغم فيها الإشارات العلمية مع الضوابط الأصوليَّة، بفهم متفتِّح، مستنير بنور السنن الإلهية؛ كي لا يتقوَّل المرء على الله وعلى كلامه.
وانقسم العلماء: بين مانعٍ للكلام في تفسير آيات قرآنية باستنتاجات علمية، ومبيحٍ لذلك، ومتوقفٍ فيه، فلا هو يبيحُه بخالص الرضا؛ مخافةَ فتح بابٍ للتقوُّل على الله وعلى كلامه، ولا هو يَمنَعُه كلَّ المنع؛ لما أشكل عليه من هذا الأمر، فيسد الباب؛ سدًّا للذرائع، فتسد معه أبواب الاجتهاد، وتَتَعَطَّل المواهب، وتَمُوت الملَكات الذوقيَّة.
وَمَا أباح المبيح إلا لذوقه لما جاءت به قرائح نيرة، استفادت وأفادت، فجاء دعمه لهذا التوجه، وما منع المانع، إلا خشيةَ فتح باب؛ للتقوُّل على الله بغير عِلْم، لا يُسَد بعد فَتْحِهِ.
وإلى جانب هذه المواقف المتحفِّظة، يُسْقى العقل من دَلْوِ النصوص المجردة عن رُوحانيَّتها، وعن تعاليمها الربانية؛ إذ الرد إلى الله فسروه بالرد لكتابه، وليس ردًّا إلى الله، وهو الحي القيوم، هل التجأنَا إليه وخيَّبَنا حتى نستدير الجنب عن بابه؟! ويا ليتهم استنطقوا الكتاب، إذًا لنَطَقَ بالحكمة وفصلِ الخطاب؛ إذ كلام الجليل أسبغ الله عليه صفات التكليم"وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ" [الزخرف: 4] ، فرُوح القرآن تنافح عن نفسها، وتَدفَع الشبهات، وليت مَن تطهَّرت سريرته يَلمِس جوهر روحه، فيتعامل معها وتتعامل معه، وتفضي إليه بأسرارها، فيَتَنَسَّمُ منها نسائمَ فَهْمٍ جديد، قريبِ عهد بربه كما يقول الربانيون.