لما ذكَّر الله قريشا بنعمة التمكين لهم في الأرض، وتيسير المعاش، ذكَّرهم عقبه بنعمةٍ تَعُمُّهم وغيرهم، تَقْتضى أجل الشكر، وهي خلقهم وتصويرهم، ضمن خلق أبيهم آدم وتصويره، وأَتبع هذا بذكر عداوة إِبليس للبشر - جميعا - بما كان من وسوسته لأَبيهم آدم، وتسلسل هذه الوسوسة فيهم، ليحذروه. فقال:
{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} :
أي ولقد خلقنا أَباكم آدم طينا غير مصور، ثم صورناه، فانتقل إِليكم خلقه وتصويره.
وإنما نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين من المشركين؛ لأَن لهم نصيبا منه في ضمن خلق أبيهم آدم عليه السَّلام.
وقيل: إِن المعنى؛ خلقناكم نطَفا، ثم صورناكم في أرحام النساءِ.
وإِليه ذهب عكرمة وجماعة من النحويين، كعلي بن عيسى والسيرافى.
ولكن يرد على هذا أن الله سبحانه وتعالى. قال عقب ذلك:
{ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} ؟
وقد أُجيب عنه بأن المراد: ثم إِنَّا نُخبركُم: أَنَّنَا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ... وفيه تكلف ..
{ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} :
ظاهره أَن اللائكةَ أُمِروا بالسجود لآدم بعد تصويره. ولكن ظاهر قوله تعالى: {إِنِّي خَالِق بَشَرًا مِّن طِينٍ. فَإذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} أَنهم أُمروا به قبل خلقه؟.
وتوفيقا بين هاتين الآيتين، نقول: إِنهم أُمروا بالسجود له مرتين.
الأُولى منهما: قبل خلقه، وكان الأَمر فيها معلقا على تسويته ونفخ الروح فيه.
والثانية منهما، بعد تمام خلقه، وكان الأَمر فيها منجزا. والله أَعلم.
والملائكة - عند جمهور المتكلمين - أجسام لطيفة، قادرة على التشكل بأَشكال مختلفة، بدليل رؤْية الرسل إِياهم كذلك.
واختلف فيمن أُمِر منهم بالسجود لآدم، فقيل: ملائكة الأَرض. وقيل: جميع الملائكة. وهو رأى أَكثر الصحابة والتابعين.
والسجود في اللغة: الخضوع والتطامن .. وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة.
وليس في الآية ما يدل على أن السجود مِن النوع الثاني .. فلهذا يحمل على النوع الأول، لخصوص السجود الشرعي بالله تعالي.