وراء هاتيك الستور محجب ** بالحسن كل العز تحت لوائه
لو أبصرت عيناك بعض جماله ** لبذلت منك الروح في إرضائه
ما طابت الدنيا بغير حديثه ** كلا ولا الأخرى بدون لقائه
يا خاسرا هانت عليه نفسه ** إذ باعها بالغبن من أعدائه
لو كنت تعلم قدر ما قد بعته ** لفسخت ذاك البيع قبل وفائه
أو كنت كفوا للرشاد وللهدى** أبصرت لكن لست من أكفائه
وقال أيضا في مفتاح دار السعادة:"وأما الجهاد، فناهيك به من عبادة هي سنام العبادات وذروتها، وهو المحك والدليل المفرق بين المحب والمدعى، فالمحب قد بذل مهجته وماله لربه وإلهه متقربا إليه ببذل أعز ما بحضرته يود لو أن له بكل شعرة نفسا يبذلها في حبه ومرضاته، ويود أن لو قتل فيه ثم أحي ثم قتل ثم أحي، فهو يفدي ثم قتل بنفسه حبيبه وعبده ورسوله ولسان حاله يقول:"
يفديك بالنفس صب لو يكون له ** أعز من نفسه شيء فذاك به
فهو قد سلم نفسه وماله لمشتريها، وعلم أنه لا سبيل إلى أخذ السلعة إلا ببذل ثمنها {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} .
وإذا كان من المعلوم المستقر عند الخلق أن علامة المحبة الصحيحة بذل الروح والمال في مرضات المحبوب فالمحبوب الحق الذي لا تنبغي المحبة إلا له - وكل محبة سوى محبته فالمحبة له باطلة - أولى بأن يشرع لعباده الجهاد الذي هو غاية ما يتقربون به إلى إلاههم وربهم، وكانت قرابين من قبلهم من الأمم في ذبائحهم، وقرابينهم تقديم أنفسهم للذبح في الله مولاهم الحق، فأي حسن يزيد على حسن هذه العبادة، ولهذا ادخرها الله لأكمل الأنبياء وأكمل الأمم عقلا وتوحيدا ومحبة لله"انتهى كلامه."
وهذه النية قليل من يخرج بها إلى الجهاد، مع فضلها وشرفها، وهي أفضل من النيات الآتية، ولكن الاقتصار على هذه النية - وإن كانت فاضلة وصحيحة - نقص، فهناك أيضا عبودية الخوف والرجاء وغيرها، كما سيأتي إن شاء الله.