واستمتعنا واستقرأنا فضائلها العظيمة الكثيرة، فازداد شوقنا إليها وإلى الجنة، ثم ارتفعت همتنا بمعرفة أسباب التفاضل بين الشهداء، وانزاح همنا وارتاحت نفوسنا بمعرفة كيف تنال الشهادة، ثم خضنا في قصص الشهداء الشيقة المحفزة، فازداد حماسنا وشوقنا، وأخيرا وفي المحطة الأخيرة حطمنا عوائقنا بمعرفة عوائق طريق طلب الشهادة وعلاجها.
وإن الحديث عن الشهادة ومتعلقاتها والشهداء وما يليق بهم ليستحق مجلدات كثيرة، وكلاما أكثر وأوسع من هذا، فالحديث عن العظيم والعظماء لابد أن يكون عظيما، وحاشا أن ندعي أنا أعطينا الشهادة ربع حقها من الكلام، فضلا عن كامل حقها، ولا الشهداء كذلك، ولكن الوقت والزمن لم يساعدنا في ذلك، ولعل من يأتي بعد يوسع الكلام عليها وعليهم أكثر من هذا.
والمنة في تأليف هذا الكتاب والفضل كله والنعمة كلها لله تعالى، فلا مني شيء، ولا لي شيء، فهو الفاتح والموفق، فهو الذي أخطر هذه الفكرة في ذهني، ثم وفقني لبحث الأحاديث، وأزال عني كثيرا من العوائق في طريق التأليف، ويسر لي كثيرا من المراجع التي احتاجها في الكتاب، وكلما احتجت مرجعا تيسر لي في السجن، ولو كان وجود هذا المرجع نادرا، فقد بهرني تيسير الله لي تلك المراجع مع ندرتها، وفتح علي أيضا في كتابة الكتاب وصياغته واستنباط المعاني بأمور لا أشك أنها فتح من الله، إذ أن عقلي القاصر لا يبلغها، فأكرر ليس مني شيء ولا لي شيء، فلله الحمد والشكر والثناء في الأولى والآخرة.
وأسأل كل من قرأ هذا الكتاب أنه إن وجد زللا أو خللا فيه أن ينبه عليه ويصححه، ويستر على صاحبه ويقيم عذره، فقد والله ألفت هذا الكتاب في ظروف صعبة جدا، لم تمر علي في حياتي كلها من شدة وطأة السجن، وتضييق جند الطاغوت، وقلة المراجع، وشدة ضعفي مع ضيق الوقت وغير ذلك من الظروف الصعبة التي يطول شرحها.
وأخيرا، اللهم أني أسألك باسمك الأعظم الطيب الطاهر المبارك، الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سألت به أعطيت، وأسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وأسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن ترزقني أعلى منازل الشهداء مقبلا مقبولا في سبيلك، وإن قصرت نفسي، ولم تبلغ أهليتها لذلك، وقصر صدقي، وكثرت عيوبي وذنوبي، وعظم ضعفي وعجزي، ففضلك وكرمك أوسع، وأنت تعطي الجزيل على القليل، وترزق من تشاء بغير حساب، لا حد ولا منتهى لفضلك وجودك، وأنت الجواد لذاتك، وذاك منتهى أملي وأقصى رجائي