والدليل عليه ما جاء عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) رواه مسلم.
وعن زيد بن خالد رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا) رواه البخاري.
وهذا يدل على أنه يكون له مثل أجر شهادته ويستوي معه في ذلك، فمن دل مسلما على الشهادة كان له أجر الشهادة، فكيف بمن دل مئات المسلمين عليها واستشهدوا بسبب تحريضه ودلالته، فذاك الذي لا يلحق فضله وأجره، فقد ملأت صحيفته بالأجور، وليست كأي أجور، بل بالأجور العظيمة، وثقل ميزانه بها، وهو مع ذلك لم يعمل إلا الدلالة والإرشاد والتحريض.
وقد حرض الله المؤمنين على الجهاد في غير ما آية في كتابه، فمن ذلك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ... } الآية، الصف.
وأيضا أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالتحريض في كتابه مرتين، فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} الأنفال، وقال: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} النساء.
فقام بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - أتم قيام، فحرض أصحابه والمؤمنين، فمن ذلك أنه قال يوم بدر للصحابة: (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض) وقد مضى الحديث سابقا، وغير ذلك.
ولم يزل الصحابة ومن بعدهم وأئمة السلف الصالح - كما قال ابن النحاس في المشارع - يحرضون الناس على الجهاد في سبيل الله وقتال أعداء الله، والمأثور عنهم في ذلك لا ينحصر كثرة فقد حرض أبو بكر وعمر وغيرهم كثير من الصحابة.
وقد عقد ابن النحاس بابا في المشارع في فضل التحريض على الجهاد في سبيل الله، وكذا عقد ابن هذيل في تحفة الأنفس بابا في التحريض، وما ذاك إلا لأهميته وقال فيه أيضا:"ينبغي للإمام أن يحض الناس ويحرضهم على الجهاد، فقد أمر الله تعالى بذلك نبيه - صلى الله عليه وسلم -".