فلما أصحروا كر الترك عليهم وصار المسلمون في مثل الحرجة، فتخلصوا واتخذوا دارة يحاربون من ورائها، وانقطع ما بينهم وبين الخصم، وبعدت المؤنة عنهم، فحاربوا كأشد حرب، وثبتوا حتى تقطعت الأوتار والقسي، وأدركهم التعب، ومسهم الجوع والعطش، وقتل عامتهم، وأثخن الباقون بالجراحات، ولما جن عليهم الليل تحاجز الفريقان.
قالت المرأة: ورفعت النار على المناظر ساعة عبور الكافر، فاتصلت بالجرجانية وهي مدينة عظيمة في قاصية خوارزم، وكان ميكال مولى طاهر من أبياتها في عسكر، فحث في الطلب هيبة للأمير أبي العباس عبد الله بن طاهر رحمه الله، وركض إلى هزاراسب في يوم وليلة أربعين فرسخا بفراسخ خوارزم، وفيها فضل كثير على فراسخ خراسان، وعد الترك الفراغ من أمر أولئك النفر، فبينما هم كذلك إذ ارتفعت لهم الأعلام السود، وسمعوا أصوات الطبول، فأفرجوا عن القوم، ووافى ميكال موضع المعركة، فوارى القتلى، وحمل الجرحى.
قالت المرأة: وأدخل الحصن علينا عشية ذلك أربعمائة جنازة، فلم تبق دار إلا حمل إليها قتيل، وعمت المصيبة، وارتجَت الناحية بالبكاء، قالت: ووضع زوجي بين يدي قتيلا، فأدركني من الجزع والهلع عليه ما يدرك المرأة الشابة على زوج أبي الأولاد، وكانت لنا عيال، قالت: فاجتمع النساء من قراباتي والجيران يسعدنني على البكاء، وجاء الصبيان وهم أطفال لا يعقلون من الأمر شيئا، يطلبون الخبز، وليس عندي ما أعطيهم، فضقت صدرا بأمري.
ثم إني سمعت أذان المغرب، ففزعت إلى الصلاة، فصليت ما قضى لي ربي ثم سجدت أدعو وأتضرع إلى الله، وأسأله الصبر، بأن يجبر يتم صبياني، قالت: فذهب بي النوم في سجودي، فرأيت في منامي، كأني في أرض حسناء ذات حجارة، وأنا أطلب زوجي، فناداني رجل إلى أين أيتها الحرة؟ قلت: أطلب زوجي، فقال: خذي ذات اليمين، قالت: فأخذت ذات اليمين، فرفع لي أرض سهلة طيبة الري ظاهرة العشب، وإذا قصور وأبنية لا أحفظ أن أصفها، أو لم أر مثلها، وإذا أنهار تجري على وجه الأرض عبر أخاديد ليست لها حافات، فانتهيت إلى قوم جلوس حلقا حلقا عليهم ثياب خضر، قد علاهم النور، فإذا هم الذين قتلوا في المعركة يأكلون على موائد بين أيديهم، فجعلت أتخللهم، وأتصفح وجوههم أبغي زوجي لكي ينظرني، فناداني يا رحمة يا رحمة، فيممت الصوت، فإذا أنا به في مثل حال من رأيت من الشهداء، وجهه مثل القمر ليلة البدر، وهو يأكل مع رفقة له قتلوا يومئذ معه، فقال لأصحابه: إن هذه البائسة جائعة منذ اليوم، أفتأذنون لي أن أناولها شيئا تأكله؟ فأذنوا له، فناولني