وإن مما أدركناه عيانا، وشاهدناه في زماننا، وأحطنا علما به، فزادنا يقينا في ديننا، وتصديقا لما جاء به نبينا محمد، ودعا إليه من الحق، فرغَب فيه من الجهاد من فضيلة الشهداء، وبلغ عن الله عز وجل فيهم، إذ يقول جل ثناؤه (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين) .
أني وردت في سنة ثمان وثلاثين ومائتين مدينة من مدائن خوارزم، تدعى هزاراسب، وهي في غربي وادي جيحون، ومنها إلى المدينة العظمى مسافة نصف يوم، فخبرت أن بها امرأة من نساء الشهداء، رأت رؤيا كأنها أطعمت في منامها شيئا، فهي لا تأكل شيئا ولا تشرب شيئا منذ عهد أبي العباس بن طاهر والي خراسان، وكان توفي قبل ذلك بثمان سنين رضي الله عنه.
ثم مررت بتلك المدينة سنة اثنتين وأربعين ومائتين، فرأيتها وحدثتني بحديثها فلم أستقص عليها، لحداثة سني، ثم إني عدت إلى خوارزم في آخر سنة اثنتين وخمسين ومائتين، فرأيتها باقية، ووجدت حديثها شائعا مستفيضا، وهذه المدينة على مدرجة القوافل، وكان الكثير ممن نزلها إذا بلغهم قصتها أحبوا أن ينظروا إليها، فلا يسألون عنها رجلا ولا امرأة ولا غلاما إلا عرفها ودل عليها.
فلما وافيت الناحية طلبتها، فوجدتها غائبة على عدة فراسخ، فمضيت في أثرها من قرية إلى قرية، فأدركتها بين قريتين تمشي مشية قوية، وإذا هي امرأة نصف، جيدة القامة، حسنة البدن، ظاهرة الدم، متوردة الخدين، ذكية الفؤاد، فسايرتني وأنا راكب، فعرضت عليها مركبا فلم تركبه، وأقبلت تمشي معي بقوة، وحضر مجلسي قوم من التجار والدهاقين، وفيهم فقيه يسمى محمد بن حمدويه الحارثي، وقد كتب عنه موسى بن هارون البزار بمكة وكمل له عبادة ورواية للحديث، وشاب حسن يسمى عبد الله بن عبد الرحمن وكان يخلف أصحاب المظالم بناحيته، فسألتهم عنها فأحسنوا الثناء عليها، وقالوا عنها خيرا، وقالوا إن أمرها ظاهر عندنا فليس فينا من يختلف فيها.
قال المسمى عبد الله بن عبد الرحمن أنا أسمع حديثها منذ أيام الحداثة، ونشأت والناس يتفاوضون في خبرها، وقد فرغت بالي لها، وشغلت نفسي للاستقصاء عليها، فلم أر إلا سترا وعفافا، ولم أعثر منها على كذب في دعواها، ولا حيلة في التلبيس، وذكر أن من كان يلي خوارزم من العمال، كانوا فيما خلا يستخصونها ويحضرونها الشهر والشهرين والأكثر في بيت يغلقونه عليها، ويوكلون بها من يراعيها، فلا يرونها تأكل ولا تشرب ولا يجدون لها أثر بول ولا غائط، فيبرونها ويكسونها ويخلون سبيلها.