وقال حافظ الحكمي:"أن شهداء المعركة الذين يقتلون في معركة الكفار ليسوا سواء، بل يتفاوتون بتفاوت نياتهم وما في قلوبهم وذلك معلوم من الدين بالضرورة"انتهى كلامه من المعارج.
وهذا التفاضل الحاصل بين الشهداء يعم شهداء الدنيا والآخرة وهم شهداء المعركة، وشهداء الآخرة أيضا.
فشهداء المعركة يتفاضلون بينهم، وكذا شهداء الآخرة يتفاضلون بينهم، فليس قتيل الخوارج كالمبطون، وكذا شهداء المعركة يتفاضلون مع شهداء الآخرة، وإن كان الأصل أن مطلق شهادة المعركة أفضل من شهادة الآخرة، إذ كيف يجعل من خرج في طاعة الله وجاهد أعداء الله وتحمل المشاق والمتاعب في سبيل رضا الله وضحى بنفسه لذلك كمن مات على فراشه بلا شيء من ذلك.
وقد ورد عن هزان بن مالك قال: قال لي كعب: (ألا أنبئك يا هزان بن مالك بأفضل الشهداء عند الله عز وجل يوم القيامة؟ قال: بلى، قال: المحتسب نفسه، ثم قال: ألا أنبئك يا هزان بن مالك بالذين يلونهم؟ قلت: بلى، قال: من غرق في بحره، ثم قال: ألا أنبئك يا هزان بن مالك بأقل أهل الجنة أجرا؟ قلت: بلى، قال: من لم يدرك إلا الركعة الأخيرة، ثم قال: والله ما ينظر الناس إلى الشهداء يوم القيامة إلا هكذا، ثم رفع بصره إلى السماء) رواه ابن المبارك.
وقد قرر العلماء هذا المعنى، فقال المناوي على حديث (من قتل دون ماله فهو شهيد) أي في حكم الآخرة لا الدنيا أي له ثواب كثواب شهيد مع ما بين الثوابين من التفاوت"انتهى كلامه."
بل ونقل المناوي الإتفاق عليه فقال:"وبما تقرر علم أنه ليس المراد بشهيد البحر الغريق لأن شهيد المعركة أفضل إتفاقا"انتهى كلامه، أي أن شهيد المعركة أفضل من الغريق - وهو من شهداء الآخرة - بالإتفاق.
وقال في لسان العرب:"قال أبو منصور: والشهادة تكون للأفضل فالأفضل من هذه الأمة، فأفضلهم من قتل في سبيل الله، ميزوا عن الخلق بالفضل، وبين الله بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضلهم، ثم يتلوهم في الفضل من عده النبي - صلى الله عليه وسلم - شهيدا، فإنه قال: (المبطون شهيد والمطعون شهيد) وقال: ومنهم أن تموت المرأة بجمع"انتهى كلامه.