ولكي تعرف صحة هذا الكلام، انظر إلى الأنبياء لما علت مكانتهم وكانوا أفضل الخلق خصصوا بأمور لم تثبت لغيرهم، كنزول الوحي وغيره، وانظر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان أفضل الرسل وأفضل الخلق كان أكثرهم خصائصا.
وكلما علت منزلة المخصِّص، كلما علت منزلة المخصَّص، فالملك إذا خصص أحدا من البشر بأمر، ليس كتخصيص شخص من عامة الناس، فكيف إذا كان المخصِّص هو رب العالمين وأحكم الحاكمين، فكفى بذلك شرفا وكفى بذلك رفعة ومكانة وفضلا للمخصَّص.
هذا، والشهادة قد جمعت الأمرين، فعظمت منزلة المخصِّص بل هو العظيم على الإطلاق، وكثرت خصائصها وعظمت أيضا.
فالشهيد قد خص بأمور، سواء في الفضائل، أو في الأحكام، لم تثبت لغيره من الخلق.
وقد ورد ما يدل على ذلك في صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا: (إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك اطلاعة، فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا، وأي شيء نبغي، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ ... ) فهذا يفيدنا أن الشهداء قد أعطوا أمورا وخصوا بها لم يعطها أحد غيرهم لقولهم في الحديث"وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك".
ولو لم يكن للشهداء خصائص لما تميزوا عن غيرهم من الأنبياء والصديقين وعامة المؤمنين والصالحين.
والشهادة درجة من الدرجات، وليست مجرد ثواب فقط، كحفظ القرآن مثلا، بل هي منزلة لها فضائل كثيرة وخصائص وفيرة، ولها شرائط وموانع، من بلغها أعطي هذه الخصائص والفضائل كالنبوة، ولهذا العلماء فرقوا بين درجة الشهادة وأجر الشهادة.
قال الحافظ في الفتح:"فإن درجة الشهادة شئ، وأجر الشهادة شئ".
وقال أيضا:"وذلك أن من اتصف بكونه شهيدا، أعلى درجة ممن وعد بأنه يعطى مثل أجر الشهيد"انتهى كلامه.
وهناك أمور شارك فيها الشهيد غيره من عامة المؤمنين، فثبتت للشهيد وثبتت لغيره، كحلة الإيمان التي يحلاها الشهيد، فقد ورد من حديث معاذ بن أنس عند الترمذي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من