الأقوال فيها وأشهرها وأبينها - كما ذكر القرطبي - أنها نزلت في قوم خرجوا فرارا من الوباء والطاعون، فتبين بالآية أن الفرار من الطاعون والقتل لا يؤخر الأجل، ولا ينجي من الموت، وأن الإماتة بيد الله تعالى، فلا معنى لفرار الفار، وخوف الخائف.
الحال الثانية: من خرج لحاجة متمحضة، لا لقصد الفرار، سواء كانت الحاجة عرضت قبل وقوع الطاعون أم بعده، فمثال الأول، أن يتهيأ للرحيل من بلد كان بها إلى بلد إقامته مثلا، ولم يكن الطاعون وقع، فاتفق وقوعه في أثناء تجهيزه، فهذا يجوز له أن يخرج، أو تعرض له الحاجة بعد وقوعه فيخرج من أجلها، لا لأجل الفرار، فيجوز اتفاقا، كما نقله النووي في المنهاج.
الحال الثالثة: من عرضت له حاجة، فأراد الخروج إليها، وانضم إلى ذلك أنه قصد الراحة من الإقامة في البلد التي فيها الطاعون، فهذا يجوز ولا يحرم، قال المناوي في الفيض:"محل النهي حيث قصد الفرار منه محضا، بخلاف ما لو عرضت له حاجة، فأراد الخروج إليها، وانضم إلى ذلك أنه قصد الراحة من البلد التي فيها الطاعون، فلا يحرم"انتهى كلامه.
وأما التحيل للخروج بإحداث الحاجات - ولا حاجة أصلا - فلا يجوز.
وذكر العلماء حكما للنهي عن الخروج من البلد الذي فيه الطاعون، منها:
1.أن الطاعون في الغالب يكون عاما في البلد الذي يقع به، فإذا وقع، فالظاهر مداخلة سببه لمن بها، فلا يفيده الفرار.
2.أن الناس لو تواردوا على الخروج، لصار من عجز عنه بالمرض المذكور، أو بغيره، ضائع المصلحة لفقد من يتعهده حيا أو ميتا.
3.أنه لو شرع الخروج، فخرج الأقوياء، لكان في ذلك كسر لقلوب الضعفاء، وقد قالوا في حكمة الوعيد في الفرار من الزحف لما فيه من كسر قلب من لم يفر، وإدخال الرعب عليه بخذلانه.
4.وقيل الحكمة هي عدم انتقال العدوى إلى منطقة أخرى صحيحة، لم يأتها الوباء.
5.ورجح المباركفوري في مرعاة المفاتيح أن حكمة النهي تعبدية، وقدح في الحكم الثلاث الأولى السابقة.