فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 672

خطر على قلب بشر، وأن شأنها فوق ما يتصوره عقلٌ، فلما عاينوا تلك الكرامة - التي لم تكن لهم على بالٍ - تمنّوا المزيد منها بتكرار القتل"انتهى كلامه."

وقال أيضا:"أن تمني عودتهم للدنيا لا لزيارة حبيب، ولا لرؤية قريب، ولا لطلب ملك، ولا تحصيل جاه، ولا لجمعِ مالٍ، وإنما فقط لنيل القتل مرة بل مراتٍ، فما عاينوه من الكرامة أنساهم كلَّ ذلك وجعل همتهم في طلب القتل (الشهادة) والذي صار بعد ملابستهم له لا يعدله شيءٌ عندهم، قال الملا على القاري:"وفيه إيماء إلى أنه لا يتمنى شيئًا من شهوات الدنيا إلا الشهادة، وهي ليست منها فيكون من قبيل: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم"اهـ"انتهى كلامه.

والنفس في الحديث تعم الصديق والأولياء والصالحين والعلماء وغيرهم على فضلهم وعظم منزلتهم، فإنهم لا يتمنون الرجوع إلى الدنيا ولا يودون ذلك.

وأما الأنبياء فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( والذي نفسي بيده وددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل) فكان أبو هريرة يقولهن ثلاثا أشهد بالله) رواه البخاري.

فهو تمنى أن يقتل ويعود أربع مرار، وذلك لما علمه - صلى الله عليه وسلم - من فضل الشهادة، وتمنى أربع مرار فقط اكتفاء بفضل النبوة، بخلاف عامة الشهداء فإنهم يتمنون القتل عشر مرار.

وعن أبي رافع قال: (وجه عمر جيشًا إلى الروم وفيهم عبد الله بن حذافة فأسروه , فقال له ملك الروم: تنصر أشركك في ملكي، فأبى، فأمر به فصلب، وأمر برميه بالسهام فلم يجزع، فأنزل وأمر بقدر فصب فيها الماء وأغلى عليه وأمر بإلقاء أسير فيها، فإذا عظامه تلوح، فأمر بإلقائه إن لم يتنصر، فلما ذهبوا به بكى، قال: ردوه، فقال: لم بكيت؟ قال: تمنيت أن لي مائة نفس تلقى هكذا في الله، فعجب، فقال: قبل رأسي وأنا أخلي عنك، فقال: وعن جميع أسارى المسلمين، قال: نعم، فقبل رأسه فخلى بينهم، فقدم بهم على عمر، فقام عمر فقبل رأسه) رواه البيهقي وقال الحافظ في الإصابة"وأخرج ابن عساكر لهذه القصة شاهدا من حديث ابن عباس موصولا وآخر من فوائد هشام بن عثمان من مرسل الزهري"انتهى، فهذا الصحابي يتمنى أن يقتل في سبيل الله مائة مرة.

وهذا الفضل يدل على فضل شهيد الدنيا والآخرة على شهيد الآخرة فقط، لأنه ما تمنى العود إلا لأجل القتل فقط، وهو غير موجود في شهيد الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت