فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 672

وللشهيد ثلاث استبشارات وردت له في القرآن، ولا شك أن للشهيد أكثر، لكن نتكلم عن الوارد، فاستبشار واحد في الدنيا واثنين في البرزخ.

أما الذي في الدنيا فهو في قوله تعالى: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} في آية الشراء في التوبة فأمر الله من أراد أن يدخل في هذه الصفقة أن يستبشر بها وبالبيع الذي سيحصل ويسر، لإنه سيثمر له النعيم والفوز العظيم في الدنيا والآخرة، قال ابن كثير في تفسيره:"فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد ووفى بهذا العهد بالفوز العظيم والنعيم المقيم"انتهى كلامه.

وأما الذي في البرزخ، فالأول قوله تعالى: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} آل عمران، فالشهداء عندما يقتلون ويجدون ما هم فيه من النعمة والفضل، يتمنون هذا الفضل لأصحابهم ومعارفهم الذين في الدنيا ويحبون لهم ما يحبون لأنفسهم، فينشغلون بمصائرهم ويهتمون لها، ومن كتب الله أنه سيموت شهيدا من أصحابهم ويلحقهم في رتبتهم فإنه قد يطلع ذلك على الشهداء الذين عنده، فيستبشرون ويسرون بإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم ولم يرزقوا الشهادة بعد بأنهم سيحصلون على الشهادة ويقدمون عليهم، وذلك بإطلاع الله لهم على ذلك.

قال السدي:"يؤتى الشهيد بكتاب فيه يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بقدوم غيابهم".

وقال ابن عاشور في التحرير والتنوير على هذه الآية:"وفي هذا دلالة على أن أرواح هؤلاء الشهداء منحت الكشف على ما يسرها من أحوال الذين يهمهم شأنهم في الدنيا، وأن هذا الكشف ثابت لجميع الشهداء في سبيل الله"انتهى كلامه.

وهذا التفسير يوافق تفسير ابن القيم للاستبشار.

ومما يستأنس به في هذا المقام ما قاله أبو يحيى الليبي رحمه الله - كما في إصدار ريح الجنة في سيرة الشهيد أبي الليث الليبي رحمه الله - قال"قبل أن ننهي الجلسة نذكر بعض الرؤى التي حدثني بها الشيخ أبو الليث قبل مقتله بأشهر، من بين هذه الرؤى ولعلي ذكرتها لكم من قبل , كان هناك أحد الأفراد الذين عاشوا معه مدة طويلة وهو الأخ عبد السلام التركستاني وكان الشيخ أبو الليث يحبه كثيرًا ويمدحه في عقله وفي أخلاقه وفي خدمته أيضًا، فقتل أخونا عبد السلام التركستاني قبل الشيخ أبي الليث بثمانية أشهر تقريبًا فتأثر بعد ذلك كثيرًا، وقبل أن يقتل الشيخ أبو الليث بشهرين فقط"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت