فهرس الكتاب

الصفحة 299 من 672

وكما قيل تنفست الآخرة فكانت الدنيا نفسا من أنفاسها، فأصاب أهل السعادة نفس نعيمها، فهم على هذا النفس يعملون، وأصاب أهل الشقاوة نفس عذابها، فهم على ذلك النفس يعملون، وإذا كانت حياة أهل الإيمان والعمل الصالح في هذه الدار حياة طيبة، فما الظن بحياتهم في البرزخ وقد تخلصوا من سجن الدنيا وضيقها، فما الظن بحياتهم في دار النعيم المقيم الذي لا يزول وهم يرون وجه ربهم تبارك وتعالى بكرة وعشيا ويسمعون خطابه"انتهى كلامه."

وإنما ذكرنا هذا الكلام بطوله لإنه يُحتاج إليه في معرفة حياة الشهيد، وقد كتب الله تعالى الموت على جميع الخلائق وهو خروج الروح من الجسد، وبخروج الروح ينتقلون إلى دار البرزخ وحياتها وتبقى أرواحهم مجردة بلا أجساد إلى يوم القيامة.

ولكن هناك صنف من الخلائق انطلقوا في الحياة الدنيا مضحين بحياتهم وبأنفسهم، وطلبوا الموت ابتغاء مرضاة الله تعالى، وأزهقوا أرواحهم وتمزقت أجسادهم من أجله، فأعاضهم - وهو الشكور تعالى - بعد خروج أرواحهم بحياة هي أكمل وأطيب وألذ من حياتهم في الدنيا وأنعم، فلو لم يكن بعد ذلك حياة أكمل من حياتهم لما أرادوا عنها تحولا ولا نقلا.

وأبدلهم عن أجسادهم التي تمزقت بأجساد أخرى، طير خضر، وجعل أرواحهم فيها، فميزت على أجسادها في الدنيا بالطيران، فهي تطير في الجنة حيث شاءت، والجزاء من جنس العمل، وهؤلاء هم الشهداء.

فإن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون في حياة البرزخ، وأرواحهم في جوف طير خضر، وليسوا كبقية الأموات، قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} البقرة.

وقال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} آل عمران، عن مسروق قال: سألنا عبد الله - يعني ابن مسعود - عن هذه الآية (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك - يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - فقال: (أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوى إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شئ نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت