مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) ثم ندبهم إلى المسابقة إلى الدار الآخرة الباقية التي لا زوال لها، فقال: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ..."."
إلى أن قال:"فصل وفي هذه المرتبة تعلم حياة الشهداء، وأنهم عند ربهم يرزقون، وأنها أكمل من حياتهم في هذه الدنيا وأتم وأطيب، وإن كانت أجسادهم متلاشية ولحومهم متمزقة وأوصالهم متفرقة وعظامهم نخرة، فليس العمل على الطلل وإنما الشأن في الساكن، قال الله تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) وقال تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ) وإذا كان الشهداء إنما نالوا هذه الحياة بمتابعة الرسل وعلى أيديهم، فما الظن بحياة الرسل في البرزخ، ولقد أحسن القائل ما شاء:"
فالعيش نوم والمنية يقظة ** والمرء بينهما خيال ساري
فللرسل وللشهداء والصديقين من هذه الحياة التي هي يقظة من نوم الدنيا أكملها وأتمها، وعلى قدر حياة العبد في هذا العالم يكون شوقه إلى هذه الحياة وسعيه وحرصه على الظفر بها والله المستعان.
فصل المرتبة العاشرة من مراتب الحياة:
الحياة الدائمة الباقية بعد طي هذا العالم وذهاب الدنيا وأهلها في دار الحيوان، وهي الحياة التي شمر إليها المشمرون، وسابق إليها المتسابقون، ونافس فيها المتنافسون، وهي التي أجرينا الكلام إليها ونادت الكتب السماوية ورسل الله جميعهم عليها، وهي التي يقول من فاته الاستعداد لها {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} الفجر، وهي التي قال الله عز وجل فيها: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} العنكبوت، والحياة المتقدمة كالنوم بالنسبة إليها، وكل ما تقدم من وصف السير ومنازله وأحوال السائرين وعبوديتهم الظاهرة والباطنة فوسيلة إلى هذه الحياة إنما الحياة الدنيا بالنسبة إليها كما قال النبي صلى اله عليه وسلم: (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم ترجع) .