غير ذلك من الخواتيم الحسنة، بل إنها أفضل من خاتمة الموت في المدينة التي وردت الأحاديث الكثيرة في فضل الموت بها.
وقد ورد في ذلك عن يحيى بن سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان جالسا وقبر يحفر بالمدينة، فاطلع رجل في القبر فقال: بئس مضجع المؤمن، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (بئسما قلت) قال الرجل: إني لم أرد هذا، إنما أردت القتل في سبيل الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - (لا مثل للقتل في سبيل الله، ما على الأرض بقعة أحب إلي أن يكون قبري بها منها ثلاث مرات) رواه مالك مرسلا، ولكن القاري نقل الإجماع في مرقاة المفاتيح في شرحه للحديث على أن الشهادة في سبيل الله أفضل من مجرد الموت بالمدينة.
وللشهادة أثر يبقى على صاحبها يبعث عليه من الدماء ونحو ذلك، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.
فمن ختم له بالشهادة فهو السعيد حقا ولا خوف عليه ولا هو يحزن، والشهيد أيضا سالم من سوء الخاتمة، وميتة السوء التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ منها، وخافها الصالحون على أنفسهم، وأن يموت على حالة يكرهها الله ويكرهها الناس.
قال أبو حامد الغزالي في الإحياء:"ولأجل شرف ذكر الله عز وجل عظمت رتبة الشهادة، لأن المطلوب الخاتمة، ونعني بالخاتمة وداع الدنيا والقدوم على الله والقلب مستغرق بالله عز وجل منقطع العلائق عن غيره، فإن قدرَ عبد على أن يجعل همه مستغرقا بالله عز وجل فلا يقدر على أن يموت على تلك الحالة إلا في صف القتال، فإنه قطع الطمع عن مهجته وأهله وماله وولده، بل من الدنيا كلها، فإنه يريدها لحياته وقد هوّن على قلبه حياته في حب الله عز وجل وطلب مرضاته، فلا تجرد لله أعظم من ذلك؛ ولذلك عظم أمر الشهادة وورد فيه من الفضائل ما لا يحصى ... ثم القتل سببُ الخاتمة على مثل هذه الحالة، فإنه لو لم يقتل وبقي مدة ربما عادت شهوات الدنيا إليه وغلبت على ما استولى على قلبه من ذكر الله عز وجل؛ ولهذا عظم خوف أهل المعرفة من الخاتمة، فإن القلب وإن ألزم ذكر الله عز وجل فهو متقلب لا يخلو عن الالتفات إلى شهوات الدنيا ولا ينفك عن فترة تعتريه، فإذا تمثل في آخر الحال في قلبه أمر من الدنيا واستولى عليه وارتحل عن الدنيا والحالة هذه فيوشك أن يبقى استيلاؤه عليه فيحنّ بعد الموت إليه ويتمنى الرجوع إلى الدنيا وذلك لقلة حظه في الآخرة إذ يموت المرء على ما"