اعلموا إخواني أن الدين على التحقيق هو المعاملة، وأن سبيل اليقين هي الطريق الفاضلة، والسلعة تشرف بالمساوم والمشتري، والمماطل بعد لزوم العقد هو الظالم والمفتري، وليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته، ومن حرم التوفيق فقد عظمت مصيبته"انتهى كلامه."
وقال أيضا:"نفاسة السلعة تعرف بثلاثة أشياء، بعظم المشتري، لأن العظيم القدر لا يباشر في العادة مشترى الأشياء الخسيسة بنفسه، ولا ينسب إليه شراؤها، وتعرف بجلالة الدلّال، لأن الدلّال الكبير لا يسمسر على الأشياء الحقيرة، وتعرف بعظم الثمن، لأن الشيء الحقير لا يدفع فيه الثمن الخطير، فانظر إلى نفوس الشهداء والمجاهدين كيف اشتراها سبحانه بنفسه الشريفة، وجعل السمسار عليها أشرف خلقه أجمعين، وجعل ثمنها الجنة في جوار رب العالمين، وناهيك بهذا شرفا لم ينله غيرهم، وفضلا لم يصل إليه سواهم."
قال بعض العارفين النفوس ثلاثة: نفس لم يقع عليها البيع لحريتها، وهي نفوس الأنبياء عليهم السلام، ونفوس لم يقع عليها البيع لخسّتها، وهي نفوس الكفار، ونفوس وقع عليها البيع لكرامتها، وهي نفوس المؤمنين"انتهى كلامه."
وقال أيضا:"لطيفة:"
لما أخبر سبحانه بأنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، فكأنهم قالوا: ربنا ما الثمن في هذا البيع؟ قال الله تعالى: (بأن لهم الجنة) فكأنهم قالوا: ربنا فكيف نسلّم هذه السلعة التي وقع عليها البيع؟ قال: (يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون) فإذا فعلتم ذلك فقد سلّمتم السلعة، ووفّيتم بما لزمكم في هذه الصفقة، ووجبت لكم الجنة، فكأنهم قالوا: ربّنا مضت سنة فضلك بأن تشهد ملائكتك بما تنعم على عبيدك، وقلت في كتابك القديم (وأشهدوا إذا تبايعتم) وأمرت بكتابة الوثائق بين المتبايعين، فمن أشهدت في هذا البيع؟ فقال تعالى: (وعدا عليه حقا في التوراة والأنجيل والقرآن) فأنتم يا عبادي تثقون بوثيقة واحدة، فهذه ثلاث وثائق، وتثقون بشاهدين، فقد أشهدت على من أنزلتها عليهم، وهم ثلاث أمم كل أمّة لا تحصى، فكأنهم قالوا ربنا أنت تمحو ما تشاء وتثبت ولا تسأل عما تفعل، فربما تمحو هذا، فنرجع من الثمن خائبين، فقال سبحانه: (ومن أوفى بعهده من الله) أي لا أحد أوفى بعهده مني، اللهم إني على ذلك من الشاهدين وبه من المؤمنين.