ومما ذُكِر مِن الأدلّة في ذلك أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (وددت أن أغزو فأقتل ... ) الحديث، فهو تمنّى وقال أن أغزو فأقتل، ولم يتمنّى ويقل أن أغزو فأنتصر، فهذا يدلّك على فضل الشهيد على المنتصر.
وقد قال تعالى في سورة الصف: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} فذكر أولا الجهاد في سبيل الله وما يترتب عليه من دخول الجنات وتكفير السيئات وقد نسب حبه لأهله في أول السورة إلى نفسه، ثم ذكر بعد ذلك الفتح والنصر، ونسب حبها إليهم بسياق يفضل المقصد الأول على الثاني.
وأيضا مما يدل على التفضيل ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ما العمل في أيام أفضل منها في هذا العشر) قالوا: ولا الجهاد؟ قال: (ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشئ) رواه البخاري، فدل على أن من لم يرجع أفضل ممن رجع.
وعن سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه أن عبدالله بن جحش قال له يوم أحد: (ألا تدعو الله، فخلوا في ناحية، فدعا سعد فقال: يا رب إذا لقيت العدو، فلقّني رجلا شديدا بأسه، شديدا حرده، أقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سبله، فأمّن عبدالله بن جحش، ثم قال: اللهم ارزقني رجلا شديدا حرده، شديدا بأسه، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدا قلت: من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك - صلى الله عليه وسلم -، فتقول: صدقت، قال سعد: يا بني كانت دعوة عبدالله بن جحش خيرا من دعوتي، لقد رأيته آخر النهار، وإن أنفه وأذنه لمعلّقان في خيط) رواه الطبراني والحاكم، وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي، ففضل سعد دعوة ابن جحش بالشهادة وحاله على الظفر الذي حصل له ودعوته به.
قال ابن النحاس في المشارع:"الشهيد في سبيل الله أفضل ممن انتصر ورجع سالما"ثم سرد الأدلة السابقة في فضل الشهادة، وأنها أعلى مقامات الدين، ثم قال:"وفي هذه الأحاديث أوضح دليل على بطلان قول من قال إن الغالب أفضل من القتيل"انتهى كلامه.