اصطنع إليكم معروفا فجازوه، فإن عجزتم عن مجازاته فادعوا له حتى تعلموا أن قد شكرتم، فإن الله شاكر يحب الشاكرين).
فممّا على كل مسلم من الحقوق، أن يرى ما هو فيه من النعم ويشكر من كان السبب فيها. ويجتهد في الدعاء لمن بذل نفسه في سبيل الله حتى وصل هو مع ضعفه إليها، ويشهد وفور عجزه وقصور همته عن الاقتداء بهم في بذل ماله ومهجته.
ويعلم يقينًا أنه لولا من أقامهم الله من الصحابة والتابعين ومن اقتفى سنَنَهم من الغزاة والمجاهدين، أنصار الدين وحماته، وشجعان الإسلام وكماته، رجال الطعن والضرب، وفاتحوا الشرق والغرب، وما استنجدوه من جنودهم، وحشدوه من حشودهم، وما جمعوه من الجحافل الحافلة، وأنفقوا من الحواصل المتواصلة، وما دافعوه من القساور القاسرة، وواقعوه من العساكر الكاسرة، إلى أن ردوا المرتدين عن ملة الإسلام إليها، واستنزلوا ملوك الروم والفرس عن أسِرّتِهم وعلوا عليها، واستلبوا ثياب عزّهم عن أجسامهم، واجتذبوا تيجانهم عن هامهم، واستعذبوا شرب دمائهم بشفاه شفارهم، وألسنة أسنّتهم وسهامهم، ومزّقوا منهم الجسوم والرسوم، وألحقوا الموجود منهم بالمعدوم، وأدخلوا جموع الباقين منهم، وإن كانوا ألوف الألوف كثرة في باب القلّة، وأنزلوا شم الأنوف العالين منهم على رغم الأنوف أرض الهوان والذلة، وأقاموا على محصن حصونهم ومدنهم بالمجانيق حدود الرجم المشروع، لمَا كنا قاطنين في أطلال نعمهم بغمّهم فيها وهمّهم، ولما عشنا آمنين في ظلال هممهم، بجودهم بأنفسهم وكرمهم، إلى أن جهلنا بمؤانسة العوائد ما اجتهدوا عليه، وذهلنا عن مقايسة المعاند والخروج إليه، واستغنينا بما أسدوا إلينا عن شرب كؤوس الحتوف، في الاكتساب بالرماح والسيوف واستعنَّا بالرفاهية في ذلك والنعيم، على منع ما أوجبه البيع القديم علينا من التسليم، وقنعنا بما نحن فيه من الأنشاب والأسباب، وغبطنا أنفسنا بالزائل من المنازل والأحباب، وركنا إلى الدنيا ركون الظمآن إلى شراب السراب، وسكنا إلى دار الغرور سكون من ليس له عنها انقلاب ولا مآب، وأعرضنا عن الجهاد إذ لا فقر ولا فرق يدعو إليه، وأخلدنا من أوج الجلاد إلى حضيض الكسل إذ لا أحد يذكر الغزو ولا يحض عليه، فأخلق الجديد مع الأمان ثوب الجهاد بعد أن كان جديدًا بهيًا، وذوى بالهوى والهوان غصنه بعد أن كان نضيدًا زهيًا، وهوى نجمه من سماء عزة بعد أن كان مشرقًا سنيًا، وانمحى رسمه واسمه كأن لم يكن له من قبل سميًا، فضعف الدين لذلك بعد أن كان أيدًا قويًا، ووهى ركن المسلمين بعد أن كان مؤيدًا محميًا.